يؤلف الموسيقى بروح كردية تسكنه. يفتخر إذا ما اعتبره المستمعون أنه امتداد لمدرسة والده الذي عاش الوجع الكردي ودفع الثمن بالسجن والتعذيب والملاحقة، لأنه خاطب الكرد وأحيا بداخلهم حب الوطن، داعياً إلى رفع الظلم عنهم. 

ولد المؤلف الموسيقي إبراهيم شيخو في مدينة كنبد كاووس (بالفارسية گنبد کاووس) في إيران 1981. نشأ ودرس في مدينة القامشلي، سوريا. أنهى شهادة الدراسة الثانوية العامة فيها، ثم انتقل إلى ألمانيا في نهاية 2003. حصل على شهادة البكالوريوس في التأليف الموسيقي (Composition) من معهد الموسيقى في جامعة أوسنابروغ (Institut für Musik der Hochschule Osnabrück) (2015)، وعلى ماجستير في الموسيقى من المعهد العالي للموسيقى في مونستر (Musikhochschule Münster) (2018) بدرجة امتياز.

ضمن سلسلة حوارات موقع "رامينا نيوز" مع المبدعين من سوريا وحول العالم، حاوره عبدالله ميزر وناقشه حول فلسفته في التأليف الموسيقي وأجوائه الموسيقية العامة، وكذلك أعماله الصادرة ومشاريعه المستقبلية. هيا بنا إلى أجواء الحوار:

كيف كانت بدايات دراستك للموسيقى في ألمانيا؟

في بداية هجرتي إلى ألمانيا، وقبل تفرغي للدراسة، بدأت بإعطاء الدروس لطلاب من كافة الجنسيات في مدينة كيل التي أقمت فيها، ثم أسست مجموعة موسيقية مكونة من الصغار والناشئة، وأحيينا أمسيات وحفلات موسيقية حينها، ثم مع الأيام سجلت في دراسة علم النفس، لكني غيرت رأيي لدراسة العلوم الموسيقية، ثم النظريات الموسيقية، لكن خلال فحص المقابلة، اقترحت اللجنة علي دراسة التأليف الموسيقي، خاصة أنها اطلعت على النوتات الموسيقية لي، وأخبرتني أن لدي أفكاراً تلائم التأليف أكثر. كان في الحقيقة قراراً صائباً. أشكرهم على هذا الأمر حقاً.

قبل ذلك، لم أكن أتوقع أساساً دراسة التأليف الموسيقي، فقد حدث الأمر صدفة. كانت هناك فتاة تعزف على آلة أوبوا النفخية، تعرفت عليها بحكم عملها في متجر مختص بالآلات والنوتات الموسيقية، وصدف أن شاركنا في أمسية موسيقية معاً، هناك سألتها عن كيفية الدراسة. هذه الصديقة قدّمت لي معلومات أولية عن طريقة الدراسة.. وكان لي صديق يدرس الحقوق والفلسفة في كيل، طلبت منه مرافقته كطالب مستمع لحضور المحاضرات كي أستغل وقتي بتحسين اللغة أيضاً، قلت لنفسي: طالما أداوم فلماذا لا أدرس الموسيقى؟

ماهي الآلات الموسيقية التي تستخدمها؟ كيف تؤلف مقطوعاتك الموسيقية؟

أعتمد على البيانو عموماً، وبشكل أكبر على أذني الداخلية، لكن عندما أؤلف لآلة التشيلو، الهارب(القيثارة) أو لآلة أخرى على سبيل المثال، أراعي خصوصية كل آلة، وأحاول التجريب عليها مع أي فرصة. فالموسيقى تعيش في داخلي، ويمكنني التأليف بشكل تلقائي، حتى من دون آلة. هناك كتاب للمؤلف البريطاني أوليفر ساكس (Oliver Sacks) بعنوان "ميوزيكوفيليا: حكايات الموسيقى والدماغ" (Musicophilia: Tales of Music and the Brain) فيه عدد من الأمور، من بينها حياة بيتهوفن، ربما يعرفها الكثير من القراء، عندما فقد سمعه، لم يفقد مهارته في التأليف، فقد كان يسمع صوت البيانو والأوركسترا بشكل عام في داخله. أعتقد أن الكثير من الموسيقيين المحترفين، لا يعتمدون على العزف على آلة ما، لكن على صوت الموسيقى الداخلية.

بالنسبة لي، رغم ذلك أفضل الاستماع إلى مؤلفاتي سواء عبر الـ"سوفتوير" أو من الآلة بشكل مباشر، أعتمد بهذا الأسلوب على التنقيح أيضاً. هناك العديد من المؤلفين يلجؤون إلى طرق مختلفة في التأليف، حيث يعتمدون على الأرقام مثلاً، ولا يحتاجون إلى آلة. يمكنني التأليف بهذا الأسلوب بسهولة، لكني أعتمد على ما أنا أريده.

 ما هو نتاجك الفني حتى الآن؟

أصدرت في العام 2014 عملي الأول "قطرات ظل" ( بالكردية Dilopên Sîyekê) بالإنجليزية (Drops Of A Shadow)، وهي مؤلفة من تسع مقطوعات؛ ثم أصدرت ألبوماً بعنوان "حكاية" (Novelle) تضمنت 14 مقطوعة في العام (2017)، وكلاهما تبنتهما شركة "تايم زون" (TimeZone) المسؤولة عن التوزيع، أما ألبومي الثالث فهو بعنوان "مختارات من الموسيقى الكردية للبيانو" (A Selection Of Kurdish Music For Piano) (2019) من إنتاج شركة "سه رسه را" (SerSera) وبدعم من "رووداو". حولت 18 أغنية كردية إلى موسيقى متلائمة مع البيانو، عزفتها عازفة البيانو الفنانة الكورية بونغجو لي (Bongju Lee). وأصدرت كتاباً يحتوي على النوتات الموسيقية أيضاً عن (SerSera). أعمل حالياً على ألبومي الرابع، ولم أوقع أي عقد بعد مع أي شركة إنتاج.

رابط الألبوم الأول:

https://www.amazon.de/Dilop%C3%AAn-S%C3%AEyek%C3%AA-Drops-Shadow-Brahim/dp/B01IE3KSG0/ref=mp_s_a_1_2?dchild=1&keywords=brahim+shexo&qid=1621504845&sr=8-2

رابط الألبوم الثاني:

https://timezone-records.shop/products/brahim-shexo-novelle

رابط الألبوم الثالث:

https://www.sersera.com/p/1003-a-selection-of-kurdish-songs-for-piano-brahim-shexo

رابط الكتاب:

https://www.sersera.com/p/b6024-a-selection-of-kurdish-songs-for-piano-brahim-shexo-noten


أنت من عائلة فنية عريقة ونجل الراحل الكبير محمد شيخو.. هل تعلمت بشكل مباشر من والدك؟ أم وجدت نفسك موسيقياً بالفطرة؟

في الحقيقة، ولدت الموسيقى معي، ووجدت نفسي عاشقاً لها بالفطرة. لم تكن هناك فرصة لأوسس علاقة موسيقية مع والدي، لأنني كنت في الثامنة عندما فارقنا، كما أنه خلال حياته كان دائماً إما معتقلاً أو ملاحقاً أو مشغولاً، ولم أره كثيراً للأسباب المذكورة.

ربما كثير من القراء مطلعون على هذه التفاصيل. لكني استفدت كمعلومات من الجلسات والسهرات الموسيقية بدعم من عمي الفنان بهاء شيخو، وبعض أصدقائه الفنانين. كبرت مع هذه الأجواء. لكن لم تكن هناك الكثير من الأدوات الموسيقية المساعدة ولا الدروس الخاصة. لم تكن جميع الآلات متوفرة.. كنا نستخدم البزق والعود ونؤدي الأغاني الدارجة. عموماً كان عمي بهاء سيؤمّن لي أي آلة أحتاجها، حتى لو طلبت منه آلة بيانو، لكن لم يكن البيانو ربما في ذلك الوقت جزءاً من الثقافة الموسيقية لدينا، فلم يكن دارجاً كثيراً كما الآلات الأخرى المعروفة.

كان لدي صديق اسمه جوان وكنيته أيضاً كانت شيخو على ما أعتقد، لديه بيانو في المنزل، كنت أزوره وأعزف معه أحياناً. كان من المفترض أن يتوجه إلى أوروبا لدراسة الموسيقى، لكن بعد انتقاله من مدينة القامشلي بسنوات، تعرض لحادث سير، فقد على إثره حياته. بقي الأمر على حاله، حتى بدايات 2000 تقريباً، عندما أسس الدكتور محمد عزيز زازا معهداً لتعليم الموسيقى في مدينة القامشلي. بمجرد أن سمعت بالأمر، توجهت فوراً إلى المعهد وسجلت اسمي، كشخص متعطش إلى الجديد في عالم الموسيقى. هذه المرحلة كانت جزءاً مهماً في سيرتي الذاتية. أشكر أيضاً ابنته بوران لمبدارتها أحياناً بتقديم أعمالي في كونسيرتاتها. كما أنني في صغري، كنت أسمع كثيراً الموسيقار دلشاد، خاصة في ألبومه "ألحان الجبل (Awazên Çiya) بحكم عملي في محلنا "تسجيلات فلك". كنت أستمع لفناني الغرب المتوفرين حينها أيضاً مثل ديميس روسوس، خوليو وغيرهم، ولم يكن هناك كاسيتات لباخ أو بيتهوفن أو غيرهم. رغم ذلك ساهم هذا أيضاً في دعمي موسيقياً، وتوسيع آفاقي، لأن طبيعة الموسيقى لدينا تعتمد على صوت واحد أو ما يعرف بـ"مونو" (Mono)، لكن الموسيقى الغربية تعتمد على أصوات متعددة (Polyphony)، فيها الكثير من الهارموني.

كما أنني في صغري تعلمت العزف على آلة البزق بسرعة وسهولة وكنت أحبذ الإستماع إلى فن وريشة أمير البزق محمد عبد الكريم. ومع الوقت اكتشفت برنامج لغة العالم من تقديم فاهيه تمزجيان الذي لم أفوت حلقة منه، إضافة إلى اشتراكي لمجلة الحياة الموسيقية بكل أعدادها. في فترة المراهقة أيضاً علمني الأستاذ أحمدي موسي المقامات الموسيقية، وفق إمكاناته. لا أنسى أن مشاركتي في عزف الأورغ خلال الأفراح أو المناسبات تعتبر لي كتجربة رافقتني سماعياً. على الرغم من أن الألحان كانت مكررة، إلا أنها كانت بمثابة معلومات صوتية روتينية.

 هل تحاول إعادة تقديم توزيع موسيقي جديد لأغاني الفنان محمد شيخو بطريقتك؟ وكيف تعرّف مشروعك الموسيقي أو كيف تصنّف النوع الموسيقي الذي تنتجه اليوم؟

عندما أبادر إلى العمل على توزيع أغاني والدي بطريقة، لابد أن يكون هناك مغن يؤديها. على العموم، عندما يغني أحدهم أغنية لوالدي، أشعر بسعادة كبيرة عندما يكون التوزيع كردياً، يحافظ على خصوصية الأغنية. لا مانع لدي طبعاً بالمناقشة بشأن التوزيع، وسأكون سعيداً بذلك.

أما الشق الثاني من السؤال: النمط الذي أؤلفه هو نمطي الخاص الذي يحسب على المدرسة الكلاسيكية.

ما الذي يحرّك حسك الموسيقي كثيراً، ويدفعك لتأليف مقطوعة موسيقية؟

أعتقد أن الجو الطبيعي يؤثر فيني. الخريف غالباً، والربيع أيضاً، وأحياناً الصيف، خاصة عندما تشرق الشمس، يشعر الناس بالسعادة ويعرضون أنفسهم للشمس. أنا حينها أنزوي في المنزل بشكل غير مباشر، وأتوجه إلى التأليف الموسيقي، أو العزف. هنا ليس الأمر كفعل وكرد فعل، بل أشعر أيضاً بمتعة التبدلات في الأجواء الطبيعية مثل الجميع، لكني أرغب بمشاركة هذه المتعة مع الآلة. بطبعي لست أيضاً ممن يقضي الكثير من وقته خارج المنزل. أحب الهدوء. كما أن الخبرة تلعب دورها، فلست مبتدئاً، إذ يمكنني تأليف مقطوعة ما دون الاكتراث إذا ما كنت حزيناً أو جائعاً، لكن عموماً الجو الخارجي يؤثر على الجو الداخلي لي، ويشكل حافزاً لدي.

هل هناك تحديات تواجهك أثناء التأليف الموسيقي أو حتى بعد إصدار مقطوعة ما.. ما هي؟

التحدي الأكبر لي في التأليف الموسيقي هو اختيار عناوين المقطوعات الموسيقية. إذ أحتار وأسأل المقرّبين مني، خاصة أخي رفند.. العناوين مشكلة لدي في الحقيقة!

كيف يؤثر المكان على حسك الموسيقي؟ وكيف أثرت عليك تجربة الحياة في ألمانيا؟

أعتقد أنني كما أنا في أي مكان من ناحية الحس الموسيقي.. طبعاً كما أسلفنا الحياة في ألمانيا كانت لصالحي، فقد سهلت لي التواصل مع أمهر الموسيقيين والأكاديميين، فضلاً عن توفر الآلات الموسيقية بكافة أنواعها.

ما هي مقطوعتك الموسيقية المفضلة التي ألّفتها؟ ولماذا؟

لدي مقطوعة مفضلة عنوانها بالكردية "Ne Ew Bû" (بالإنجليزية It was not that). لكن حقاً لا أعرف لماذا أفضلها على غيرها من المقطوعات التي ألفتها.

رابط المقطوعة:


إذا طلب منك أحد الفنانين، خاصة من الأصدقاء، تلحين قصيدة.. هل تتعامل مع هذا الأمر بصدر رحب؟

حسب.

ما هي أول أغنية حفظتها؟ وما هي الأغنية الأكثر تأثيراً عليك للفنان الراحل محمد شيخو؟

لا أتذكر عموماً أول أغنية، لكني كنت أغني موال (Yarek min heye) (لدي حبيبة) في طفولتي. أتذكر كنت ذات مرة أردد هذا الموال، كان يسمعني والدي وهو جالس، طلب مني أن أكملها، لكنني رفضت، ربما شعرت بحرج منه وقتها. أما الشق الثاني من السؤال، فقد أثّر عليّ الألبوم الرابع كثيراً، وأيضاً الألبوم الصادر في 1986.

رابط الموال:


 إذا قال لك أحد المسؤولين الكرد: سندعمك مؤسساتياً في أي مشروع موسيقي تطمح إلى تنفيذه، والميزانية مفتوحة.. فما هو المشروع الذي ستنفذه؟

أي مشروع يخدم الفن الموسيقي بشكل عام سواء كان معهداً أو دار نشر..

بشكل أو بآخر، إبراهيم شيخو هو امتداد لمدرسة محمد شيخو، لكن بشكل أكاديمي.. هل يمكن تقديم إرث الراحل بطريقة حديثة ومعاصرة أكثر.. هل يدور في ذهنك فكرة ما حول هذا الأمر؟

إذا تم اعتباري امتداداً لمدرسة محمد شيخو، فهذا بحد ذاته أكبر شهادة أكاديمية لي حقاً، ويشكل لي مبعث فخر. بالنسبة لإرثه، حولت جميع أغانيه إلى نوتات موسيقية، وأعمل على تجميعها في كتاب، حتى أنني بطلب من أستاذي الجامعي كتبت رسالة البكالوريوس عن فنه بشكل عام.

ما هي عناصر الموسيقى الناجحة أو العناصر التي تؤسس الموسيقار الناجح في رأيك؟

أعتقد أن الصدق مع العلامة الموسيقية واحترامها، وليس العمل وفق متطلبات السوق. فقط الصدق والاحترام مع العلامة هي المعيار المهم. أنا أرفض رفضاً قاطعاً تأليف عمل ما لأن السوق يتطلب ذلك.

لمن تسمع كثيراً.. ؟

أسمع وأتقبل الجميع، لكني حالياً أسمع ذاتي وأراجع موسيقاي وأنقحها، لأنني بصدد إصدار ألبومي. على العموم أسمع دوماً راديو الموسيقى الكلاسيكية، وإذا ما لفت نظري أحدهم أقتني نوتاته الموسيقية.

كيف أمضيت وقتك خلال الحجر الصحي؟

كانت فترة مثمرة على العموم، فقد أمضيت وقتي أكثر في التأليف الموسيقي وقراءة الكتب. وأيضا بمتابعة المسلسلات التاريخية عن أوروبا أو الأفلام مع عائلتي.

ما الذي يثير غضبك في الحياة؟

لا يمكنني أن أحدد تماماً أمراً ما، لكن باختصار هناك أمور بسيطة تزعجني كثيراً. مثلاً عندما أسرع بكل جهدي كي أصل إلى القطار، فيكون قد غادر قبل ثوان، أو عندما يتأخر الباص عشر دقائق. عموماً بطبيعتي أنا هادئ. أعشق الحياة.

هل من لحظات شعرت فيها أنك تحلق من الفرح.. ما هي؟

حقيقة أحسست بسعادة غامرة عندما أجري استفتاء إقليم كردستان العراق، فقد شعرت أن الكرد بدؤوا يخطون أول خطواتهم ليصبحوا دولة. كما أن الحب بشكل عام يخلق سعادة في داخلي.

ماذا تفعل عندما تكون حزيناً؟

عندما أكون حزيناً.. يظهر الحزن على ملامحي، وربما إذا سألني أحدهم لماذا أبدو حزيناً، فلا أجاوبهم! لكن ربما أتوجه إلى عزف آلة ما، وأفضفض لها عن حزني.

كيف هي علاقتك العاطفية مع الطعام...؟ ؟ هل لديك وجبة مفضلة؟

علاقتي وطيدة مع الوجبات اللذيذة عموماً. لكن الملوخية هي سيدة الوجبات لدي. دوماً تحتفظ هذه الأكلة عندي بقيمة كبيرة حتى وإن لم أتناولها لفترة طويلة.

هل لديك هوايات أخرى خارج الحقل الموسيقي تقضي فيها أوقات فراغك؟

قراءة الكتب.

---------------

ملحق بالحوار:

رابط مقطوعة "الطريق" من ألبوم "قطرات ظل"


رابط مقطوعة "وردة من بستانين" (Flower from two Gardens) من ألبوم "حكاية"





مواضيع أخرى ربما تعجبكم

0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

الاشتراك في نشرتنا البريدية