يتعامل الفنان خوشناف (الاسم بالكردية "Xoşnav") بشكل مختلف مع موسيقاه من ناحية التوزيع والكلمات، وله أغان وطنية وعاطفية وفلسفية. تتسم نصوصه الغنائية بالحيوية والعمق والرؤية الفنية المميزة التي أسسها بعد سنوات طويلة من العمل والجهد الشاق.

ضمن سلسلة حوارات موقع "رامينا نيوز" مع المبدعين والأدباء والفنانين والشعراء من سوريا وحول العالم، حاوره عبدالله ميزر، منقباً في أغانيه وفنه، وفلسفته الشعرية والفنية، ورؤيته إلى الفن الكردي بشكل عام، إلى جانب اهتماماته وهواياته خارج الإطار الفني، فكان التالي:

 

  • من هو خوشناف؟

يقول شاعرنا الراحل هيمن: "إذا كنت نفسي أشك هل أنا موجود أم لا، إذاً كيف لي أن أخبرك من أكون؟"

بعيداً عن الدعابة والشقاوات البلاغية، أنا من مدينة القامشلي. ولدت وكبرت فيها حتى إنهائي للمرحلة الثانوية، وأنا صغير القوم في عائلة كبيرة معروف عنها التزامها بمقتضيات الهم الوطني، إلى جانب الاهتمامات الفنية والأدبية لدى أغلبية أفرادها. بعد الثانوية العامة، انتقلت إلى جامعة دمشق، ومنها إلى أوروبا، حيث أقمت بداية في بولندا، ومن ثم بشكل شبه دائم في مدينة استوكهولم حتى بدايات ٢٠١٥.

حاولت الاستفادة من سنوات الغربة لإتمام تحصيلي العلمي، حيث درست بداية في المعهد الموسيقي لجامعة ماري كوري في بولندا، ومن بعدها انتقلت لدراسة العلوم السياسية في الجامعة نفسها. حصلت على شهادة الدكتوراه من قسم العلاقات الدولية عام ٢٠١٥، وفي العام نفسه انتقلت إلى مدينة عامودا للعمل كمدير لمؤسسة مجتمع مدني في شمال شرق سوريا، إضافة إلى عملي الحالي كأستاذ محاضر (برفسور زائر) في قسم العلوم السياسية لدى جامعة جيلونا كورا البولونية.

خلال فترة إقامتي خارج سورية، بنيت عائلة صغيرة، ولفترة طويلة خضت عالم الأعمال في مجالات مختلفة. تعدّد أمكنة إقامتي خلال العقد الأخير جعلني قريباً جداً من مقولة "وطني حقيبة"، لكنها التزاماتي وطبيعة عملي هي التي تفرض علي هذه البعثرة الجغرافية، من ناحية أخرى فتعدد أمكنة إقامتي ترك تأثيراً على حياتي الاجتماعية والفنية والصحية بشكل كبير، لكن كالعادة لا توجد إنجازات دون قرابين.


  • متى بدأت مشوارك الفني وكيف قررت خوض الحقل الغنائي؟

كما ذكرت بداية.. الاهتمامات الفنية واضحة المعالم لدى أفراد عائلتنا، وأتصوّر أن الغناء ولد معي، لكنه الهوس الغالب بين بقية الاهتمامات، لذلك تجد هويتي الفنية هي الطاغية على بقية تفاصيل حياتي. أذكر وأنا في الصف الأول من المدرسة الابتدائية أن مديرنا عبد الأحد كان يأخذني من صف إلى آخر ليضعني على الطاولة كي أغني "ماما يا حلوه يا أجمل غنوه.. عايشه في روحي وجوا كياني". ثم بدأت رحلتي مع الآلات الموسيقية؛ بداية من العود، ثم الغيتار، ثم الأوكورديون، وأخيراً آلة الطنبور التي أعشقها. هنا لا بد من إضافة، وهي أنني لازلت أتمتع بحفنة من الواقعية كي لا أعتبر نفسي مطرباً أو مغنياً، بل أنا شخص يؤدي نمطاً معيناً من الغناء، كذلك أعي أبعاد هويتي ككاتب ومؤلف للأغنية باللهجة الكُرمانجية، بحيث أستطيع وبقدر من الموضوعية أن أحدد موقعها وخلافها مع ما كان قبل وما هو سائد خلال العقود الثلاثة الأخيرة.


  • هل يمكن أن تحدثنا عن نتاجك الفني؟ 

نتاجي الفني الصادر بشكل رسمي هو أربعة ألبومات، أغلبها كلماتي وألحاني، كما أقوم في بعض الأحيان أيضاً بعملية التوزيع الموسيقي. تطرقت للفلكلور بشكل مقتضب جداً، غنيت لمطربين من الجيل الراحل، ولحنت كلمات الشاعر "سيداي جكرخوين" مرتين، كذلك لدي مجموعة لا بأس بها من الأغاني التي كتبتها لبعض الفنانين، باللغتين الكُردية والعربية.

  • في أي ألبوم أو أغنية شعرت بأنك حققت نجاحاً أو تعتقد أنه أفضل ما قدمت حتى الآن؟ 

أعتبر نفسي صاحب مشروع فني، وأتصور أن معالم هذا المشروع كانت واضحة منذ ألبومي الأول بعنوان "Kerwan" (القافلة) في 1993، الذي حقق نجاحاً جيداً، حيث يعتبره بعض النقاد بداية مدرسة جديدة في الفضاء الموسيقي الكردي، من حيث الكلمة واللحن والتوزيع، وربما الغناء. وأتصور أنه ورغم كافة التحديات استطعت الحفاظ على معالم مشروعي الفني في ألبوماتي التالية، وهي "Mina Xewn" (كأنه حلم) 1997، "Gazin" (عتاب) 2004، وأخيراً ألبوم "12Pêtên Belav" (12 جمرة مبعثرة) 2019.

إذا تمعنت في محطات الرحلة الممتدة بين ألبوم "Kerwan" والألبوم الأخير من حيث الكلمة، ستلاحظ تدرجي في الابتعاد عن العنجهيات البلاغية والاتجاه أكثر نحو السهل الممتنع، كذلك تدحرجي تجاه قضايا باتت أكثر محورية في حياتي مع تقدمي في السن، مثل الوطن، الإنسان، الغربة، الحرب، الخذلان. أما ألبومي الأخير فأعتبره إنجازاً من حيث التأليف الموسيقي والجودة التقنية التي سأحاول الحفاظ عليها في المستقبل.


  • ما الذي يلهم خوشناف لصنع أغنية؟

"كل ما في الكون يحزنني، فكيف الإنسان" يقولها مظفر النواب، لكنها جملة تنطبق علي بحذافيرها. مع الأسف مخزون الحزن، تجلياته في حياتي اليومية والإحساس بالاغترابات المزمنة عن محيطي هي أكثر ما يوقظ في رغبة الكتابة والغناء. أحياناً لا أطيق ذاتي، إذ أراني قد بت عرّاباً للحزن والأسى في الأغنية الكُرمانجية؛ من ناحية أخرى أقدم لنصوصي كثيراً من الأعذار، إذ أجد أنه لا مناص لي من التمعن في مواجعنا وفواجعنا، أما الغوص في تفاصيلها بشكل مؤذٍ للروح، فتلك هي إحدى إملاءات المعرفة، ومع الأسف.. المعرفة في بعض الأحيان، قدر مشؤوم. يظل العشق وحده.. عشق الأنثى وحيثيات جمالها ملاذي، وواحة نسائمها منعشة في نصوصي الغنائية؛ مع ذلك ففي ذلك النمط من نصوصي أيضاً تطالعك تجليات شوق يفعم بالأسى، وشحّ واضح المعالم في إطلالات الفرحة، لأن أغلب تجاربي مع العشق حزينة نوعاً ما.


  • لماذا نجدك تصدر أغاني أو ألبومات على فترات زمنية مطولة؟

هناك أسباب عديدة لتقاعسي الإنتاجي، منها تريثي حتى تنضج الفكرة، ومنها أمور تقنية، كذلك في مرحلة معينة كنت مجبولاً بحالة من اليأس مفادها عدم جدوى الإنتاج الفني العالي الجودة في محيط انتمائي، وهذا ما كان يقتل فرحتي بأي منتوج فني جديد، لكن من محاسن هذا اليأس، أنه قد أسس لعدم رغبتي الحالية في التعامل مع الفن كسلعة، وجنّبني عقدة الإحساس بضرورة تسويق نتاجي ضمن حيثيات العرض والطلب، فأنا حالياً لا أمارس الفن كمهنة تفرض علي حالة من الالتزام القسري تجاه المتابعين (fans) ومتطلبات "السوق"، بل أفضّل الحفاظ على علاقتي الفريدة مع الموسيقى، التي هي أشبه بحالات الزهد والتأمل، أما ممارساتي لطقوسها، فهي تحدث فقط حين تنتابني حالات الذكر والإشراق الموسيقي، ومن هنا تتجلى هذه الندرة الواضحة في إطلالاتي الإعلامية خلال السنوات الأخيرة.

  • كيف تحصل على كلمات الأغاني، وهل تعتمد على نفسك أم ملحنين في التلحين والتأليف الموسيقي؟

أغلب ما غنيته هو من كلماتي وألحاني عدا أغنيتين للأستاذين الراحلين سعيد يوسف ومحمد علي شاكر، إضافة إلى أغنيتين من كلمات الشاعر الراحل سيداي جكرخوين. بالنسبة للتوزيع الموسيقي، ففي أغلب الأحيان يكون اعتمادي على الموزعين، لكن مع هذا، فأنا من يحدد للموزع النمط "الستايل"، الإيقاع والآلات التي سوف تستخدم في الخلفيات الموسيقية، وغالباً ما أقوم بعملية المونتاج بعد التسجيل بنفسي.


  • خوشناف من سوريا.. ويتحدث عدة لغات.. لماذا لم تغن أو تلحن بلغات أخرى، أهمها العربية؟

كما ذكرت بالنسبة لي الغناء هو طقس ونوع من الصلاة، لذلك علاقتي بالكلمة يجب أن تكون وجدانية حتى أستطيع الغوص في تفاصيل الإحساس، وحقيقة لم أستطع الدخول في هذه الحالة حتى الآن سوى بلغتي الكردية. وربما لذلك لا أحاول الغناء بالعربية، رغم المكانة الخاصة للغة العربية، وعشقي لها، من بين اللغات الأخرى التي أجيدها، لكن مع هذا أحبّذ فقط الاستمتاع ببلاغاتها وطربها، لأنني مدرك تماماً أن هناك كثيرون ممن يستطيعون إعطاء النص والموسيقى العربية حقها أكثر مني. أما بالنسبة للكتابة، فأنا أتقن كتابة النصوص باللغة العربية، وبلهجات عدة منها المصرية والخليجية (البيضاء)، والفصيحة، ومن بين من غنى كلماتي بالعربية عمار الكوفي ودينا وميرا.


  • يعرّفك محبّوك أنك فنان الرومانسية الراقي، بمعنى أنك تؤلف موسيقية متقنة بتوزيع موسيقي مختلف ومتقدم مع صور شعرية مميزة.. ما سر هذه المزج الرائع بين اللحن والكلمة والأداء؟ وهل يستطيع أحد أداء أغانيك بطريقة ترضيك؟ 

أظن أن سر الوصفة يكمن في مزجي بين خصائص الشاعر والموسيقي، إضافة إلى طبعي وتفاصيلي الروحية، كذلك اطلاعي ومعايشتي لثقافات موسيقية وأدبية مختلفة ساهمت في إغناء تجربتي. كثير من النصوص التي أكتبها وأغنيها هي ترجمة لحالات عشتها في الحقيقة، وهذا ما يمكنني من إتقان السرد الحسي عند الأداء. وأتصوّر أن هذا هو سر الصعوبات التي واجهها كل من حاول غناء إحدى أغاني من بعدي. أما من يحاولون الخروج عن قالب تقليدي، "وفلترة" الحالة حسب إملاءات أحاسيسهم فقد نجحوا في أداء أغنياتي.

  • تجد شريحة من المستمعين الكرد أن خوشناف نخبوي جداً ولا يمكن فهمه بسهولة.. هل تعتقد أنك تغني للنخبة فقط.. كيف تصنّف نفسك كفنان وكيف تصنف هذا النوع الموسيقي الذي تغنيه؟

الفئات المجتمعية التي احتضنت مشروعي الفني هي على الأغلب الفئات المثقفة. مع الأسف، ورغم أن النخب هي حاملة لشعلة الحداثة والفكر النير، لكنها غالباً ما تكون في مجتمعاتنا النامية محاصرة ومتهمة بالانسلاخ عن الواقع. وبما أن مشروعي لم يؤسس لحالة فنية شعبوية من ناحية النص أو الموسيقى، لذلك من الطبيعي أنه اختزل وحوصر في بعده النخبوي، ولم يلقَ الرواج المنشود. لكن هناك صيرورات تاريخية حصلت خلال العقدين الأخيرين دفعتني إلى تغيير بعض آرائي حالياً؛ فمثلاً في بدايات متابعاتي الأكاديمية لظاهرة العولمة، لم أكن من فريق المناصرين لهذه الظاهرة، بالأحرى كنت من المشككين في إفرازاتها ونتائجها، خصوصاً فيما يتعلق بالبعدين المجتمعي والثقافي، كنت أجد في العولمة معولاً يهدم كل الإرث الإنساني منذ تدويناته الأولى، كذلك ضبابية الإرث القادم وتوجهاته كانت تقلقني، كنت أرى أن الحالة البرزخية تلك، قصدي المرحلة ما بين الهدم والبناء، قد أضافت أبعاداً أكثر حنقاً بحق النخب بشكل عام، وعمّقت محنتها أكثر من ذي قبل، لذلك حينها كنت أقول أن النخب الفكرية في المجتمعات النامية مهددة بالانقراض، حتى أذكر أنني في تلك الفترة كتبت مقالاً بعنوان "يا فقهاء العالم اتحدوا".

تمعني اللاحق فيما يجري حولي أثبت صحة مقولة "رب ضارة نافعة"، خصوصاً فيما يخص الثورة التكنولوجية، قصدي دورها في تقليص العالم بشكل مدهش، كذلك دورها في كسر حكر المعلومة، فرغم أن الثورة التكنولوجية ومنجزاتها، مثل وسائل التواصل الاجتماعي الحالية، قد أشاعت شعوذات الصدف الثقافية، لكنها في الوقت نفسه كانت عادلة حين وهبت المنتوج الفني الجيد والسيء فرصاً متكافئة في الوصول للمتلقي. في واقعنا الكردي، وفرت الثورة التكنولوجية للمنتوج الفني الجيد فرصة وآفاقاً جديدة حين أخرجت الفن بشكل عام من القن الكردي، حيث حرّرته من رحمة الاحتكارات المبنية على الولاءات لمشاريع سلطوية معينة، وفتحت له نافذة العالم على مصراعيه. من هنا عادت ثقتي بفرحة الإنتاج ورغبتي الحالية بتقليص تشتتات حياتي والتفرغ بشكل رئيس لهويتي الفنية.


  • اشتهر خوشناف بأغنية "Kerwan" كثيراً.. وزاد شهرتها أيضاً الفنان الراحل أحمد كايا.. هل طلب منك الإذن قبل غناء هذه الأغنية؟ وهل أزعجك أن الكثير بات ينظر للأغنية وكأنها لكايا وليست لخوشناف؟

بالطبع الجهل لا يغيظني فقط، بل يحزنني أيضاً، فمثلاً أن أكون متواجداً في إحدى جلسات الصدفة، ويطلب مني أحدهم أن أغني "Kerwan" للسيد أحمد كايا! تصور يرعاك الله! حتى في إحدى الحالات شكك أحدهم وبطريقة مستهزئة عند محاولتي تصحيح معلوماته عن صاحب الأغنية. بالطبع هناك بعد شخصي وراء هذا الحنق، لأن الغبن "مرّ مذاقه كطعم العلقم"، وأكثر ما يحزنني هو الحالة بحد ذاتها، إذ أنها لا تمثل الجهل فقط، بل هي إحدى تجليات عقدة النقص المزمن التي نعاني منها تجاه الثقافات المجاورة.

بعد رحيل أحمد كايا طلبت الشركة الإنتاجية لأعماله التي تديرها أرملته السيدة جولتن كايا، موافقتي للتمكن من نشر الأغنية. وقد التقيت حينها بالسيدة جولتن في اسطنبول، حيث حدثتني بشكل تفصيلي عن رغبة المرحوم أحمد كايا بالتعاون الفني معي لمشروع أكبر من "Kerwan"، وعن الجهد الذي بذلاه كلاهما للتواصل معي، لكن يبدو أن الاقدار لم تشأ لذلك المشروع المفترض أن يرى النور.


  • غنيت للفنان الراحل سعيد يوسف بطريقتك؟ هل يمكن اعتبار هذه الطريقة الخوشنافية – إذا جاز التعبير – هي الأصلح لهذه الأغنية؟ أم دعوة لإجراء تغيرات في شكل الأغنية الكردية الكلاسيكية؟

أنا من الجيل الذي نهل من مدارس الجيل الراحل مثل آرام تيكران، محمد شيخو، سعيد يوسف، محمد علي شاكر، تحسين طه، وما قمت به حين تناولت أعمال بعضهم هو ترجمة شخصية لتلك الأغاني. هذا بالتأكيد لا يلغي الأصل، فلولاه لما وجدت الترجمة، لكن كوني لا أشجّع التقليد، وأعتبر الابداع محك الفن الأساسي، لذلك عند تناولي لأعمال الفنانين الذين سبقوني أحاول أن أقوم بعملية نقل محاور لنصها الموسيقي، بما يتوافق مع روحي والزمن الذي أعيشه.


  • ما الذي دفعك إلى إنتاج أغنية  فلسفية فيها الكثير من التساؤلات العميقة؟ هل يمكن القول أن خوشناف يعلن أنه يتجاوز القوميات والأديان في هذه الأغنية ويدعو إلى وحدة إنسانية؟ أم أن خوشناف عندما عمل هذه الأغنية كان مسكوناً بهذه الأسئلة هو نفسه؟

كشخص يعتبر هويته الإنسانية هي الأساس، وكل ما عداها مجرد هويات فرعية، كذلك كوني أعتبر نفسي شخصاً يعي الكم الهائل من اللاعدالة الكونية، فمن الطبيعي أن أكون مسكوناً بجملة من التساؤلات ذات الطابع الوجودي. لكن مصدر الوجع الأساسي الذي دفعني لكتابة أغنية "Gazin" كانت الحرب الأهلية الطاحنة في منتصف التسعينات من القرن الماضي، أو ما نسميه اقتتال الأخوة في كُردستان الجنوبية (إقليم كردستان العراق). متابعتي لتلك الفاجعة حينها خلقت في داخلي جرعة كبيرة من الأسى والخذلان والتساؤلات اليائسة، وتفجرت في كلمات أغنية "Gazinالتي تطرح مجموعة من الأسئلة الفلسفية المعروفة التي تؤرّق أغلبنا في مرحلة ما من مراحل العمر.

  • هل يمكن الفصل بين مشاعر خوشناف المقيم في السويد في تأليف أغانيه وبين مشاعر خوشناف في وطنه الأصلي؟ ويمكننا طرح سؤال آخر هنا: هل أثرت الحرب على عملك الفني ونوع أغانيك؟

بالتأكيد الحرب في سوريا أثّرت على قرارات مصيرية في حياتي الشخصية والمهنية، وتفاعلي مع الحالة واضح جداً في المواضيع التي تطرقت إليها أغاني ألبومي الأخير. هنا أيضاً يكون جواباً للشق الأول من سؤالك، إذ لابد للفنان من التفاعل مع البيئة التي تحيط به، مثلاً أنظر إلى نص أغنية "Kerwan" أو "Rojên şemal" (أيام الشمال)، أو "Mina Xewn". كلها كتبتها في المغترب، ولكن "Gulên Hewşê" (ورود الحوش) و"Kobaniyê" (الفتاة الكوبانيّة "نسبة إلى مدينة كوباني")، كتبتا في الوطن وتأثير البيئة المحيطة جلية في تلك النصوص.


  • لمن تسمع كثيراً؟ من هم فنانونك المفضلون كردياً وعالمياً؟

لدي اطلاع جيد بشكل عام على المكتبات الموسيقية لدى الثقافات المجاورة والنتاج الغربي بشكل عام، وأخصّ مدرسة الروك الكلاسيكية والميتال، لكن تبقى مدرستي البوب واللاتينو الطاغيتان في ميولي الموسيقية. فجوش غروبان ومايك بوبلي من الأصوات التي لا أملّ من الاستماع إليها، أحب حشرجات المطربة أديل، لكن ماري كاري هي سيدة المسرح بشقه الأنثوي بالنسبة لي.

بحكم علاقتي الوثيقة باللغة البولونية، لدي اطلاع ومتابعة للمنتوج الموسيقي البولوني، وهناك تأثر واضح لدي بأسلوب البالادا والشعر المغنى بلغتهم. كما أعتبر المطربة العظيمة اديتا غبرت معلمتي وسيفيرن كرايفسكي أستاذاً ملهماً تعلمت منه الكثير في كيفية التحليق في سماء المعاني واللحن. لكن ذوق الاستماع لدي تغير مع السنوات، وبعد علاقتي الوثيقة مع الموسيقى لقرابة أربعة عقود، بت أعاني من إحدى أمراض المهنة التي تقتل لدى الإنسان متعة الاستماع، لذلك أنا انتقائي جداً، ولا أستطيع سماع أي شيء غير مهني، فقط أسمع وأستمتع بالدرر الموسيقية والغنائية.

في الفن العربي، لا غنى لي عن المدرسة الرحبانية الكلاسيكية، أي منتوجها حتى منتصف ثمانينات القرن الماضي، أما من الفنانين الحاليين، أتابع مسيرة الأستاذ مروان خوري، وأستمتع بحنجرة عبير نعمة ومنتوجها الفني المتميز في حداثته. أما علاقتي بالجيل القديم من المطربين الكرد فهي علاقة عاطفية محكومة بالنوستالجيا، لذلك لا يمكن الحكم على تلك العلاقة بمقاييس اليوم. أكثر ما يبهرني بين ذلك الجيل هي لمسة الطرب الحزين في حنجرة حسن جزراوي، أما من بين المطربين الكُرد الذين أجايلهم يبقى زياد أسعد حتى اللحظة متربع على عرش الحنجرة الذهبية وتقنيات الغناء الكردي الشرقي دون منافس.

رأيي لا ينفي وجود حناجر وخامات جديدة جيدة جداً على ساحتنا الكردية، لكن أغلبها وحتى اللحظة لم تؤسس لمدارس غنائية جديدة، بل بقيت رهينة التقليد أو الكولاج الغنائي من خلال استعارة أجزاء من تقنيات مدارس غنائية مختلفة ومزجها بعشوائية مزاجية. لكن دعني أرد على فضول القارئ بجواب ينتظره: من بين الأصوات المعروفة حالياً أحب النزق والدلع في حنجرة السيدة هاني، وأحب الدفء والهدوء في حنجرة العزيز هفال إبراهيم، أما من بين الجيل الصاعد أعتبر الشابة سيماف حالة واعدة جداً.

  • عن أي المواضيع تقرأ وبأي لغة؟ ومن هم كتّابك المفضلون؟

بشكل عام أنا من الرعيل الذي ختم الأعمال الكاملة لعبد الرحمن منيف، ثم انتقل الى مدرسة سليم بركات، لكن في لحظة ما وبحكم انشغالي الأكاديمي خلال العقد الأخير، فقد حصلت حالة من البين الجزئي بيني وبين الرواية، لذلك آخر ما قرأته كان للأستاذ سليم كان "هياج الإوز". من ناحية أخرى أجدني دائماً مغرماً بالشعر أكثر من الرواية، فمتابعتي للشعر بقيت على حالها، رغم أنه أحيانا يشوبها بعض الفتور. ومن بين الشعراء الذين لا حياد في عشقهم هو الراحل شيركو بيكس، أما من بين الجيل الحالي، هناك أسماء كثيرة أذكر منها رودي سليمان، فهي حالة فريدة جداً تبهرني نصوصها، وهناك اوصمان حمو الذي يعيدني لسير الصبا، نسائم وقيظ البيادر وحسراتنا، كذلك لا مفر من محمد زاده الذي يدغدغ عزيمة الرفض والشغب الإيجابي في روحي، أما أفين إبراهيم فهي حالة شعرية توازي حالة "الثريلر" في السينما، تثير فينا رهبة وقشعريرة لكن مع هذا لا مناص من متابعة درامها حتى آخر رمق.


  • إذا طُلب منك تقديم نصيحة للفنانين والموسيقين الصاعدين.. ماذا يمكن أن تقول لهم؟

لا أحب النصائح لأن أغلبنا قلما يعمل بها، وأنا منهم، لكن إذا كان لابد أن أدلو بدلوي، فأريد أن أقول للجيل الشاب: اتعب وثابر، وكن طموحاً، وصاحب مشروع واضح المعالم، ولا بد للنتائج الحميدة أن تأتي. أيضاً تعلم من الآخرين، لا ضير في ذلك، لكن ابتعد عن التقليد الأعمى والتصنع، فمحك الفن هو الإبداع وصدق الإحساس.


  •  هل هناك من مشاريع موسيقية أو أعمال قريبة؟

أعمل حالياً على مجموعة من الأغاني كجزء من ألبومي القادم. أظن أنه سيحمل مفاجآت من ناحية هيكلية الأغنية وشكلها الفني، كما أتوقع أن تكون مضامين بعض النصوص الرافضة للكثير من لغط حياتنا صادمة للبعض، لكن برأيي هناك حقائق يجب أن تطرح بكل تجريداتها ودون تهذيبات إنشائية. أفكر أيضاً في إصدار مجموعة غنائية تتضمن باقة من أعمال الجيل الذي قبلي، لكن بطريقة أدائي اللحني الخاص، كما أخطط لإعادة إحياء بعض أغاني القديمة مثل "Leylo" (ليلو) و"Esmerê" (السمراء) بحلل جديدة.


  • كيف أمضيت وقتك خلال فترة الإغلاق العام بسبب وباء كورونا؟

أصبت بكورونا في العام الماضي، وخضعت للحجر الصحي. صدقاً كانت فترة جداً منتجة، لأنها أعطتني فرصة للتمعن أكثر في العلاقة بين الإنسان والطبيعة، كما سمحت لي بالتفرغ للكثير مما كنت قد أهملته. أهم إنجاز كان عودتي للتمرّن على آلة الغيتار، وتحديث معلوماتي النظرية بالنسبة لتلك الآلة، فعلاً وبفضل العم غوغل، وأكاديمية يوتيوب، فقد أنجزت خلال فترة الحجر ما يعادل دراستي للآلة خلال عامين في المعهد الموسيقي. لذلك هنا مرة أخرى أعود لسؤالك المتعلق بنصيحتي للجيل الشاب، أقول: الثورة التكنولوجية جعلت المعلومة في متناول اليد. هذا لمن لديه رغبة في التعلم، إذاً القضية باتت قضية طموح ومبادرة.


  • ماذا تفعل عندما تشعر بالغضب؟ بالحزن؟ بالفرح؟ أو عندما تكون عاشقاً؟

سابقاً كنت سريع الانفعال والغضب، لكن في هذه السن ما عدت أكترث للكثير من التفاصيل التي كانت تغضبني سابقاً، فما عدت مهتماً بأن أثبت لأحد أنني على صواب، وأمشي على مقولة "ما حاججت جاهلاً إلا وغلبني" كما وبت من روّاد مقهى: "كمل حياتك كملا ما عاد تطلع ورا". أما إن حدث وغضبت، فحينها حالة العشق المزمن لدي، فهي تتولى لجم فوراتي وتعيدني إلى حكمة الصفح.

رشدي العاطفي هو من علمني أن أستخدم الغضب والحزن وقوداً لضرورات الكتابة، وما لا أستطيع قوله بشكل مباشر لحالة فردية أحاول أن أفتّش عن جذوره العامة في لاوعينا الجمعي، ومن ثم طرحه بشكل أغنية تحكي الحالة وربما تلعنها. أما بالنسبة للفرح فهو خجول جداً في طرق أبوابي، وعلى الأغلب يكون ضيفاً خفيف الظل لا يسكن مضارب روحي مطولاً، لكنه حين يقبل أضحك بشكل هيستيري، أنشد بعض النكات، وتنتابني رغبة عارمة في رقص التانغو مع أول أنثى يداهمني عطرها.


  • ما هي أكلاتك المفضلة؟ 

في المطبخ الشرقي أعشق المحاشي، شريطة أن يتربع ورق العنب تاج العرش في مملكة الطنجرة (القدر). كنت قد أضفت على الطبخة بعض التفاصيل من مطابخ مختلفة خلال سنين الغربة، وهذا كان مدعاة غروري! لكن بعد عودتي إلى سوريا اكتشفت أن أختي، أم آلان "بلوة" في الطبخ، وخصوصاً في طهي المحاشي، لذلك وبكل تواضع تنازلت لها عن لقب أفضل طبّاخ في العائلة. أما في المطبخ الغربي، فيقال وصفات الباستا الإيطالية التي أقدمها لذيذة. في هذا المجال استعرت من الموسيقى الخلط الهارموني بين خصوصيات الذوق الشرقي والغربي لابتكار وصفاتي الخاصة.

  • هل لديك اهتمامات خارج الإطار الفني؟

أحب الرسم، فقد كان حلمي أن أمتلك هذه الموهبة. من مدارس الرسم أحب مدرسة البورتريه والكاريكاتير والمدرسة الانطباعية، لذلك تراني في بعض الأحيان أحاول كتابة لوحات غنائية وأظن إذا قام أحدهم بتحليل بعض أغاني عبر موشور الرسم، فربما سيجد في أغنية "Kerwan" أبعاد لوحة انطباعية. انا "مراقجي" سيارات، ولدي اطلاع واسع عليها. أحب صيد السمك، وأعشق الطيور والورود والعطور، ومع الأسف أعاني أيضاً من لوثة عشق السلاح.

----------------------

ملحق بالحوار: 

الترجمة العربية لأغنية "Kerwan" (القافلة)

ترجمها الشاعر نوزاد جعدان بتصرف إلى العربية ضمن كتاب نشره عام 2017 عن دار نبطي تحت عنوان مختارات من الشعر العالمي


القافلة تسير والينابيع تنساب

لم تترك شيئاً وراءها

سوى النار والدخان

وريح غجرية تؤرق العيون الناعسة

كي لا تحظى بالرقاد

تشعل تلك الذكريات

كالنار المختبئة في الرماد

على تلك العيون الدامية

والشفاه المتحسرة بالآهات

القافلة تسير بعجلة

إلى مدينتي البعيدة

أخبروا أمي وقولوا لأبي

على مفترق الطرق، فلتنتظرني حبيبتي

سأعود حتماً، حتماً سأعود

في يوم بعد كل هذه الأيام


رابط الأغنية:


----------------------

من خلف النافذة

"Li paş pencerê" (من خلف النافذة) من ترجمة الشاعر أحمد جندي:


من خلف النافذة،

من خلف النافذة، الجو عاصف اليوم

هذا البرد وهذا المطر

الشتاء.. إنه الشتاء

** *

هذه الأيام في الشمال (اسكندنافيا)

معتمة ومرّة

وحيد أنا

أخاف من الوحدة

أسأل نفسي، من أنا؟

ومن أين...من أين أتيت؟

والى أين أمضي؟

ما هذا الحلم الذي سرت خلفه

حتى أتى يوم فقدت فيه الإيمان!

** *

من خلف النافذة،

من خلف النافذة، الجو عاصف اليوم

هذا البرد وهذا المطر

الشتاء.. إنه الشتاء


رابط الأغنية:


مواضيع أخرى ربما تعجبكم

0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

الاشتراك في نشرتنا البريدية