منذ فترة تثير فكرة النّقاء المعلوماتيّ والتواصليّ والتشاركيّ والحياتيّ حيّزاً من الاهتمام العامّ. فالعالم الرقميّ قدّم لنا أدوات غيّرت من أسلوب حياتنا، نحو الأفضل من ناحية، لكن جعلت الأمر أسوأ من نواحٍ عديدة، مثلاً: لم نعد نركّز في موضوع فكريّ ما كما السابق، ولم نعدّ نركز على تجربة فنّان أو موسيقي أو كاتب ما، ولم نعد نبحث عن الأنس والصفاء في الطبيعة التي بتنا نشاهدها افتراضيّاً، ولم نعد نلعب ضمن مجموعة على أرض الواقع، بل صرنا نبحث عن لاعبين بمسمّيات جديدة في عوالم افتراضية عنيفة.. وزاد في داخلنا الإلحاح نحو المزيد من الإمتاع الفكاهيّ والرومانسيّ، وأيضاً كثر لدينا شغف مدهش بصورتنا النرجسية، ناهيك عن أنّ الصديق الحقيقيّ أصبح ضائعاً في قائمة طويلة من الأصدقاء الافتراضيّين، فلا تعود تتذكره إلا في مناسبات خاصّة.

مواقع التواصل الاجتماعيّ تتمتّع بتأثير ساحر وساحق في الوقت نفسه، ولا يمكن لأيّ كان اتخاذ قرار الابتعاد عنها بين ليلة وضحاها، فأيّ تصرّف بهذا الصدد هو إعلان الخلوة والزهد في الحياة، لكنّ الحيرة تكمن في كيفيّة خلق توازن بين التعامل مع تأثيرات هذه المواقع والحفاظ على أساليب حياتية منفصلة عن العالم الرقميّ، والإشكاليّة الكبرى أنّنا نتعامل مع عالم يخلو من القواعد الاعتياديّة التي وضعها البشر عبر تاريخهم، وليس بين يدينا قواعد أو دساتير ونواميس واضحة جديدة تتناسب والعالم الراهن، فكلّ ما نقرأه في هذا الجانب هو مجرّد افتراضات واقتراحات ليس إلا..!

هذا الوضع الرقميّ الجديد أنتج إشكاليات وأمراضاً سيكولوجية بطريقة مختلفة عن تلك المعروفة في الأوساط الاجتماعية أو الأكاديمية، ومواجهة أو معالجة هؤلاء – وجميعنا في نفس المركب - ترتبط بمدى تطوّر الحالة المرضيّة الرقميّة لدينا!

الإبحار في مراكب العالم الرقمي ضرورة حياتية ومهنية على ما يبدو، ومتابعة الأحدث في هذا السياق ضرورة أيضاً، والأسوأ أنّ التخلّف عنها يجعلنا في الصفوف الأخيرة..! حتماً من دون إدراك منا صرنا نبحر، ونبحر في ظلمات وطلاسم هذا العالم، ويومياً نحن على موعد مع كائنات فيسبوكيّة وانستغرامية وتويترية ويوتيوبية وتيكتوكية.. الخ.. تتفوّه بغرائب وعجائب، وتتصرف برخص مع الجسد والفكر.. لكن أين الوجهة؟ وما الهدف؟ وما المعنى الكامن وراء كل ذلك؟ هل هذا معنى الحداثة؟ هل هذه ثورة؟  ألا يفترض بالثورات أن تجعل حياتنا تمضي نحو الأفضل؟


مواضيع أخرى ربما تعجبكم

3 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

الاشتراك في نشرتنا البريدية