حين ينظر المرء في واقع الاقتصادات المعاصرة، يتضح له أن ثروات العالم موزعة توزيعاً اعتباطياً، إذ تستحوذ قلة على ثروات الناس، وتمتلك بعض الأوطان موارد ضخمة تجعلها قادرة على الاستثمار في أغرب المشاريع وأعجبها. صحيح أن جوف الأرض يحتوي على وفرة من الكنوز في جميع المناطق. غير أن بعض المواقع الطبيعية تنفرد بمخزون هائل من المواد الأساسية التي تحرك عجلة الاقتصاد العالمي، وفي مقدمها النفط والغاز والمياه والمعادن الثمينة.

صحيح أيضاً أن استثمار هذه الموارد يختلف من وطن إلى آخر، وذلك وفقاً للبنى الاجتماعية السائدة والأنظمة السياسية والمناهج الاقتصادية. ثمة أوطان استطاعت أن تستثمر مواردها بذكاء منقطع النظير، وثمة أوطان أخرى ما تسنى لها ذلك بسبب طبيعة اجتماعها المضطرب. ليست أطماع الطامعين بالحائل المطلق الذي يمنع الأوطان من استثمار مواردها. ذلك بأن جميع الأوطان عرضة للأطماع. الفارق الوحيد أن القرائن الاجتماعية والسياسية والثقافية تجعل بعض الأوطان تخضع للسلطة، في حين أنها تهب الأوطان الأواخر المنعة الذاتية.

استثمار المال

لن أجادل في المسألة الجيوسياسية الشائكة هذه، بل أود أن أستفسر عن استثمار الأموال الفردية والقومية في مشاريع إنمائية وتوسعية تتخطى المخيلة الإنسانية الراهنة. من الطبيعي أن كل إنسان يحق له أن يستثمر ماله في القطاع الذي يستنسبه، شرط أن يراعي أصول المعاملات القانونية التي بها ينتظم المسار الاقتصادي الكوني المبني على مبادئ الحرية والكرامة والمساواة والعدل. أعرف أن منطق الاقتصاد العالمي لا يخضع بالضرورة لمثل هذه القيم، ولكن المجتمعات الإنسانية لا تستطيع أن تحيا من غير مراعاة الأفق الأخلاقي الذي ترسمه مثل هذه المبادئ. بخلاف ذلك، يستذئب الناس ويفني بعضهم بعضاً، إذ يتحول كل إنسان إلى ذئب يفترس نظيره من البشر (homo homini lupus)، على حد تعبير الأديب الروماني اللاتيني بلوتس (نحو 254 ق.م. – 184 ق.م.) في مسرحيته الهزلية "أزيناريا" (Asinaria). لم يتورع الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبس (1588-1679) عن استثمار معاني هذا القول من أجل وصف حال الناس في بدائيتهم المتوحشة غير الخاضعة لأي ضرب من ضروب التعاقد الاجتماعي الحكيم.

في كل الأحوال، يعلم الجميع أن بعض الأفراد والمؤسسات والأوطان طاقات استثمارية تختزن اليوم ثروات خيالية لا نقدر حتى على أن نحصيها. إذا قارن المرء الأوطان الغربية المبنية على النهج الاقتصادي الليبرالي المستند إلى النظام الديموقراطي والخاضع لقوانين الضريبة التصاعدية والمحاسبة الشفافة الدقيقة، بالأوطان الأفريقية أو الآسيوية وسواها، المبنية على النهج الاقتصادي عينه والمستندة إلى نظام مستنير يعلن أنه يروم التوفيق بين الأصالة والحداثة، أدرك أن تراكم الثروات في الحال الأولى أضحى مستحيلاً، في حين أنه القاعدة الأساس في الحال الثانية. لا ضير في ذلك كله ما دام الناس يختارون بحريتهم المطلقة مثل الأنظمة هذه. غير أن الأمر المستجد في ظهور الثروات الخيالية هذه أن الاقتصاد العالمي لم يعد يستطيع أن يساير حركة الاستثمار المتعاظم الذي تتيحه ثروات هذه الدول. وعلاوة على ذلك، نبغ كثير من الأفراد، بمعزل عن موارد الأرض التي يقطنون فيها، فأفلحوا في إنشاء مؤسسات إنتاجية طليعية في حقول المعلوماتية والاتصالات والأدوية والنانوتكنولوجيا والسفر الفضائي والترفيه، وما إلى ذلك من قطاعات مغرية أضحت تدر عليهم من الأموال ما لم نكن لنتخيله في يوم من الأيام.

أخلاقيات الشراء والبيع

أمام الواقع الاقتصادي الطارئ هذا، تعاظمت لدى بعض الدول وبعض المؤسسات وبعض الأفراد النابغين المحظوظين، القدرة الشرائية التي تخولهم اقتناء كل ما يخطر ببال الإنسان وما لا يخطر! أعني بذلك أننا أصبحنا اليوم نعاين استفحال القدرة الشرائية اللامحدودة اللامتناهية. ومن ثم، لا بد من السؤال الفلسفي الأخلاقي الذي يستفسر عن إمكانات الشراء التي يتيحها المال المكدس في الخزائن. من أبلغ الأبحاث التي تناولت هذه المسألة كتاب الفيلسوف الأميركي مايكل ساندل (1953-....) "ما الذي لا يستطيع المال أن يشتريه؟ حدود الأسواق الأخلاقية" (What Money Can’t Buy? The Moral Limits of Markets ? ).

ينطلق ساندل من سؤال يطرحه كل إنسان عاقل: هل يمكننا أن نشتري بمالنا كل شيء؟ أم إن هناك بعض الخيور والخدمات والمكتسبات المعنوية التي يعجز مال الدنيا كله عن شرائها؟ وراء هذا السؤال ينحجب استفسار فلسفي أعمق: هل كل شيء في الحياة معد للبيع والشراء؟ من الواضح أن كل أنظومة فكرية تستصوب جواباً من الأجوبة الممكنة. غير أن ما يستوقف القارئ الأمثلة الواقعية المستلة من صميم الحياة اليومية والمصنفة في خانات شتى. ثمة أمثلة تتعلق بالتحريض الأدبي، إذ يمكننا أن نشتري إرادة الأطفال من أجل حثهم على المطالعة التثقيفية، أو بالزجر التأديبي، إذ نغري بالمال الوفير النساء المدمنات ونحرضهن على تعقيم أحشائهن حتى لا يبتلين بإنجاب لا طاقة فيهن عليه.

أمثلة الشراء اللاأخلاقي

ثمة أمثلة أواخر تتصل بخطط الحصول على خدمات شرعية تعفينا من الإكراهات التنظيمية الاجتماعية، كأن نشتري بمالنا المواقع المتقدمة في ممرات انتظار المعاملات الإدارية، أو قوائم الزيارات المتحفية، أو لوائح دخول أماكن التسلية. في بعض الأحوال، نجرؤ جرأة أعظم، فنشتري في حقل القرارات البيئية الدولية حقوقاً استثنائية تسوغ لنا تلويث الطبيعة تلويثاً محدود النطاق، كما يحصل ذلك منذ مؤتمر كيوتو البيئي الدولي. أما الاستثناء الأخطر فيتجلى في قدرة المال على شراء الضمائر والمبادئ والقيم، بحيث نعمد إلى رشوة اللجان من أجل الاستحصال على جائزة أو تقدير أو منصب. قد يبلغ بنا جنون الاقتدار المالي حدود شراء الأعضاء المستخرجة من أجساد الفقراء المعوزين. بعض المقتدرين يشترون الحرب، وبعضهم الآخر يشترون السلام بشروطهم الخاصة. أما الحدود الأخلاقية، فتزول رويداً رويداً بحجة اعتماد الحرية الاقتصادية المطلقة.

معايير الاستقامة الأخلاقية في عمليات الشراء

لا بد، والحال هذه، من مساءلة النظام الاقتصادي الليبرالي وغير الليبرالي عن تسويغ العمليات الشرائية المهينة التي تحشد المعايير الاقتصادية والحقوقية والأخلاقية حشداً مربكاً، وتخلط بعضها ببعض، وتنشئ بينها من التناقض الفاضح ما يعطل أثرها الإيجابي في كل حقل على حدة. ذلك بأن الاضطراب المعياري هذا يستثير فينا ضمة من الاستفسارات الفلسفية التي تتناول مطامح الرأسمالية المالية، وادعاءات السوق الاقتصادية، وانحرافات الأنظومات الإيديولوجية المهيمنة، وأخلاقيات التبادل التجاري، ومقام السياسة، ومركزية الدولة.

من جراء المعاينة النقدية هذه، يخلص ساندل إلى أن المجتمعات المعاصرة أضحت خاضعة لقوانين السوق الهوجاء التي تفرض على الوقائع الإنسانية قيمتها التجارية بمعزل عن معناها الحياتي. ومن ثم، لا بد من تأييد التحليل الذي سبق أن ساقه الفيلسوف الألماني هابرماس (1929-....)، وقد استلهم فيه عالم الاجتماع الألماني ماكس ڤيبر (1864-1920)، فأعلن أن العالم الإنساني اجتاحته الأنظومة الاقتصادية واستعمرته استعماراً مذلاً. حقيقة الأمر أن اختبارات الناس أصبحت تقاس بمقياس القيمة الشرائية التي تفرضها السوق، حتى إن العلاقات الإنسانية أعيد ترتيبها وفقاً لما تفرضه أولويات السوق عينها. فضلاً عن ذلك، تحولت حياة الناس إلى ميدان مفتوح من المنافسة الاقتنائية تخضع لتقلبات السوق، بحيث أمسينا نخضع لجدلية الازدهار والانهيار في الحركة الاقتصادية العالمية. إذا انكمشت السوق، انقبضت نفوسنا، وإذا نمت وازدهرت وتألقت، ارتحنا وابتهجنا وطربنا.

أكذوبة الحياد الأخلاقي في الاقتصاد العالمي

أما ما يبعث على القلق، فاندحار سلطة الدولة الوطنية، وتعاظم نفوذ الأسواق العالمية، وغياب المباحثات الفلسفية الأخلاقية التي تتدبر هذا الواقع وتقومه تقويماً يستصفي آثاره النافعة ويعطل عواقبه الضارة. لذلك يجب أن نستعيد زمام الأمور حتى نضبط قدرة الشراء ونصوب مسار الأمور، فنبني سلم القيم التي ينبغي أن ينهض عليها القرار الإنساني الوجودي الخاص. لا بد لنا من أن نقلق ونضطرب حين نعلم أن كل وقائع الحياة أضحت خاضعة لمنطق البيع والشراء. وعلاوة على ذلك، يجدر بنا أن نقاوم سلطة الاقتصاد وهيمنته على قطاعات كانت بمنأى عن الاستغلال المالي، لاسيما حقول الصحة والتربية والبيئة والثقافة والفن والرياضة. ذلك بأن مال السوق غداً يؤثر تأثيراً خطراً في قطاعات الوجود الإنساني التي ينبغي أن نصونها من المنطق البضاعي. ليست كل الأمور تحتمل التبادل التجاري، لئلا يتحول الإنسان إلى سلعة رخيصة من سلع السوق المتوحشة.

خلافاً للعرف السائد، ليست السوق والعقلانية الاقتصادية التي تسودها على حياد أخلاقي صارم، بل تندرجان كلتاهما في حقل الاستثمار التغييري الذي يصيب المرجعية الأخلاقية الأساسية. قد يظن بعضنا أن البيع والشراء عمليتان خاضعتان لمنطق التفاوض الحر بين الأفراد الأحرار في المجتمع الحر. غير أن واقع الحياة الإنسانية يناقض هذا الادعاء، إذ إن أغلب الممارسات الاقتصادية تظلم الناس، وتحرمهم من حرية القرار العقلاني المستقيم.(...).

إذا خضع صاحب البيت الفقير للتهديد المعنوي بفقدان منزله بسبب من عجزه عن تقسيط المستحقات الشهرية، فإنه سيرضى على غير اقتناع بأن تطلى جدران المنزل الخارجية بألوان المؤسسة التجارية التي تفرض دعايتها على الجميع، أو بأن يغرس على سطح المنزل جهاز البث التموجي الذي يعزز وسائل التواصل، ولكنه يضر بخلايا الدماغ أيما ضرر. كذلك الأمر في حال الأم التي تعجز عن شراء الدواء من أجل معالجة ابنتها المريضة. لن تتردد في أن تنشب في جسدها شركة تجارية نافذة رسوم النقش التاتواجي حتى يعاين الناس على لحمها دعاية العطر أو المسحوق أو الدواء. فهل يجوز لنا، والحال هذه، أن نتكلم على عملية شرائية شريفة أو تفاوض تجاري حر؟

قيمة الاختبارات الإنسانية

إذا كان الأمر على هذا النحو، وجب علينا أن ننظر نظراً نقدياً جريئاً في قيمة الوقائع الإنسانية التي نختبرها اختباراً حياتياً ذاتياً. لا يجوز أن نسمح لمعايير الاقتصاد العالمي أو لقوى الاقتدار المالي أن تحدد لنا قيمة الخيور الإنسانية الأصيلة التي نزين بها وعينا وحياتنا ومسلكنا. ليس لأية مملكة سياسية أو مؤسسة تجارية أو منظمة مالية، مهما عظم جبروتها، أن تحدد لي قيمة الحياة والموت والصحة والسعادة، والأسرة والطبيعة والفن والإبداع، والواجب والاقتناع والحقيقة والمعنى، والعلاقة الإنسانية في جميع أبعادها الأخلاقية. لن يرضى كثير من الناس بأن تشترى حقائق وجودهم بذهب العالم كله. حتى لو خضع الاقتصاد العالمي لمنطق التجارة الشاملة التي تستبيح كل المحظورات، لا يجوز أن نسلع الحياة، أي أن نحول القيم والمبادئ والواجبات والكرامة والحرية والأخوة والتضامن والمجانية والاستضافة إلى سلع تجارية معرضة للمساومة المفتوحة.

الحياة بين الاقتناء المادي والارتقاء الأخلاقي

ليس المال كل شيء في حياة الإنسان. لذلك لا بد لنا من أن نفكر تفكيراً أخلاقيا راقياً في قيمة قراراتنا وأعمالنا وتصرفاتنا، وفي قيمة الخيور والخدمات والوقائع الإنسانية الجليلة التي نختبرها كل يوم. المعيار الأساسي ينبغي أن يتناول قدرة هذه الحقائق على خدمة المصلحة الإنسانية الجامعة العليا، قبل أن ينشط التفكير التجاري في الاستدلال على إنتاجيتها ومردوديتها ومنفعتها الاقتصادية. من صلب دعوة الإنسان العاقل أن يختار بحريته الكيانية القيم التي ينبغي أن يستهديها في تدبير حياته الاجتماعية والمدنية. ليست الحياة بكميتها الاقتنائية، بل بنوعيتها الارتقائية. آن الأوان لكي يتحرر العقل البشري المعاصر من هوس الكمية التراكمية (quantophrénie). أجل، يمكننا أن نحافظ على الاقتصاد الليبرالي الحر. ولكن ينبغي أن نصونه بمبادئ الرقي الأخلاقي وضوابط العدالة الاجتماعية. إذا كانت حريتنا تبيح لنا أن نساوم على كل شيء، فهل نقبل أن يتحول التفاوض التسليعي إلى مساومة عفنة نتنة، على ما ذهب إليه الفيلسوف الفرنسي أندره كونت-سبونڤيل في كتابه "هل الرأسمالية أخلاقية؟" (Le capitalisme est-il moral ?)؟

رأس الكلام في هذا كله أن الإنسان المعاصر يجب أن يتحرر من منطق السلعة حتى يعيد اكتشاف معاني الحياة الأصيلة، ومنها الكرامة الذاتية والخصوصية الكيانية والواجب الأخلاقي التضامني. يحزنني أن المجتمعات المعاصرة أضحت تقيس كرامة الوجود بمقياس الإنتاجية والاستهلاكية، في حين يستطيع الإنسان أن يختبر سعادة الحياة على غير ما تروج له الدعايات الإعلانية التي تجتاح أفق الوعي الإنساني الراهن. لا يمكننا أن نفتعل الرقي الحضاري بمجرد الاقتناء الخيالي الذي يستبيح كل المحظورات. فالمال، وقد حصر في مقامه التقني الأداتي العملي المفيد، إنما جعل لخدمة التمدن الحضاري المبني على أصول الرقي الأخلاقي، ولم يجعل ألبتة للهيمنة على عقول الناس وضمائرهم وكراماتهم المصونة وحرياتهم الذاتية. هنيئاً للأوطان والممالك والمؤسسات التي تستخدمه في تعزيز كرامة الإنسان، وضمان حريته الذاتية، وترسيخ أواصر العدل والتضامن الأخلاقي وتوطيد أسس السلام الكوني.

المصدر: إندبندنت عربية - مشير باسيل عون


مواضيع أخرى ربما تعجبكم

0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).