في عام 1901 لم يكن الثوري الروسي ليون تروتسكي قد أسس الجيش الأحمر بعد، بل طبعاً لم تكن الثورة البلشفية التي كان هو واحداً من قادتها الكبار قد اندلعت بعد، بالتالي لم يكن رفيقه في الثورة وعدوه اللاحق ستالين لا برز ولا تسلم الحكم خليفة للينين ولا حاكمه ولا دبّر اغتياله في المكسيك التي هاجر إليها بعد زمن. كان ذلك كله لا يزال في علم الغيب. وكان كبار الذين سيصنعون الثورة محدثين أكبر انقلاب ثوري وسياسي في تاريخ البشرية، لا يزالون مجرد مناضلين يحلمون بما هو أقل من ذلك بكثير، أي أقل من تغيير العالم بكثير. بيد أن ما كان يميزهم إنما كان ثقافة كبيرة وتقدمية وملاحقة دؤوبة لكل الأفكار الجديدة الرابطة بين المجتمع والفن.

الثقافة جزء من الثورة

كانوا جميعهم قراء كباراً محبين للفنون والأفكار. جميعهم باستثناء ستالين الذي سيعرف دائماً بضحالة ثقافته إلى درجة أن النصوص القليلة، والساذجة التي تنسب إليه، سيقال دائماً إنها قد كُتبت له كي تمنحه نوعاً من هالة فكرية ما. لكن هذا ليس بالطبع موضوعنا هنا. موضوعنا هو تروتسكي الذي كان بالتأكيد الأكثر ثقافة بين أولئك المناضلين الشبان بحيث اعتبره كثر وريثاً شرعياً في هذا المجال لماركس وإنغلز مجتمعين. ومن هنا لم يكن غريباً أن يترك تروتسكي عند رحيله عدداً كبيراً من نصوص في النقد الفني والأدبي كرسته واحداً من كبار النقاد في زمنه، حتى وإن كنا نعرف أن كتاباته الأدبية والفنية تلك راحت تتقلص أهمية بمقدار ما كان اهتمامه الحزبي يتصاعد وهمه السياسي يكبر، ومن بعد ذلك بمقدار ما راحت الثورة تحتم عليه الانصراف كلياً إلى العمل العسكري والدبلوماسي من دون أن ننسى هنا أنه كان هو، تاريخياً، من فضح الوثائق السرية التي كانت تتعلق بمشروع سايكس- بيكو لتقسيم منطقة الشرق الأدنى بين الإنجليز والفرنسيين مع منح "وطن قومي" لليهود في فلسطين، بحسب وعد بلفور، ما إن تسلم شؤون الخارجية بعد نجاح الثورة البلشفية، غير أن هذا ليس كذلك موضوعنا هنا، فموضوعنا هو تروتسكي كناقد أدبي أفرد مكانة لهنريك إبسن في اهتماماته.

دأب أدبي متقدم

ونعرف طبعاً أن كتابات فنية وفكرية وأدبية خطها تروتسكي منذ بدايات اهتماماته في المجالات السياسية/ الفكرية قبل ذلك كله قد جمعت في مجلدات صدرت في مراحل متفرقة من سنواته النضالية ومن ثم بخاصة بعد رحيله. ولعل أهمها تلك التي جمعت في مجلد ضخم حمل عنوان "الثقافة والثورة في فكر ليون تروتسكي"، وإذ ثمة عدد كبير من نصوص في ذلك المجلد تبدو مفاجئة حقاً، سنتوقف هنا عند واحد من تلك النصوص وفيه يتناول تروتسكي بعض ملامح اهتمام الكاتب المسرحي النرويجي هنريك إبسن بقضية المرأة، القضية التي كانت لا تفتأ تهمه هو الآخر وربما أساساً كجزء من مشروعه النضالي.

نساء ذلك الكاتب

إذاً في معرض تناوله مسرح إبسن بالتحليل يقول تروتسكي إن "علينا أن نوجه اهتمامنا لقول بعض الأفكار حول نساء إبسن، بالنظر إلى أنه معروف ككاتب سبق أن أُسبغ عليه لقب "منشد النساء". حيث من المؤكد أن إبسن قد خص قضايا المرأة والشخصيات النسائية في مسرحياته بقدر كبير من العناية وبأشكال متنوعة. فهو مثلا عبر إيلليدا (في مسرحية "سيدة من البحر") كما جزئياً عبر شخصية مارتا (في مسرحية "أعمدة المجتمع") تمكن من تصوير أحلام التوق إلى الفرار من حياة الدمى التي تعيشها المرأة إلى هناك "حيث الآفاق أكثر رحابة والسماء أكثر اتساعاً والغيوم تصعد أكثر ارتفاعاً، ويبدو الهواء أكثر تحرراً..."، وإنها لأحلام تتحول في أعلى ذراها إلى رغبة في "توجيه صفعة إلى وجه كل ذلك الزيف المبهرج الذي تعيشه المرأة"، ولا يتوقف حتى عند القطيعة التامة التي تنحو إليها المرأة حتى مع وطنها (كما حال شخصيتا لونا ودينا في "أعمدة المجتمع") أو مع زوجها وأطفالها (نورا في "بيت الدمية"). وهي قطيعة نلاحظ أنها تحدث أمام أنظارنا من جانب نساء إبسن اللواتي يقدمن أنفسهن كقربان قبل ذلك، ككائنات دائماً ما تعيش من أجل الآخرين ولا يعشن أبداً من أجل ذواتهن (كما حال الخالة جوليانا في "هيدا غابلر" أو السيدة ليندن في "بيت الدمية")، بل يعشن كعبدات تعيسات لا يتوقفن عن القيام بالواجبات الزوجية أو الأمومية (كما الحال مع إيلينا آلفنغ في "عندما نفيق نحن الموتى")، ملزمات بأن يكن على الدوام في غاية اللطف والإمحاء منهكات كما حال كايا فوسلي (في مسرحية "معلم العمار") أو السيدة إلفستيد (في "هيدا غابلر")... وأخيرا كامرأة تنتمي قلباً وقالباً إلى ذهنية نهايات القرن التاسع عشر مثل هيدا غابلر التي تعيش مفطورة الروح مدمرة ومنحطة من دون هوادة...".

قبل تحرير المرأة

وإذ يستعرض تروتسكي على هذا النحو صورة المرأة كما قدمها هنريك إبسن في عدد من مسرحياته الأكثر أهمية والأكثر غضباً، ينتقل ليقول كيف أن الواقع الذي "بتنا نعيشه خلال العقود الأخيرة قد خلق إمرأة جديدة تقف أعلى ثلاث مرات ليس فقط من الإرتقاء الذي يمكن أن تبلغه نورا (في "بيت الدمية") التي لا تتردد عن الانقطاع عن زوجها كنتيجة حتمية ليقظة تطاول وعيها بكرامتها، ولكن أكثر ارتقاء مرات عدة حتى بالنسبة إلى نورا المرحلة الأخيرة التي لن تتوانى عن بذل كل ما لديها من طاقة وجهد في سبيل النضال من أجل تحرر المرأة".

دور المرأة الجديدة

ويخلص تروتسكي هنا إلى أن "هذه المرأة الجديدة ترتقي إلى ما هو أعلى بكثير من قضية المكانة التي يجب أن تكون للمرأة المنتمية إلى الطبقات الموسرة والراقية لتصل إلى مستوى يتعلق بقضية التمكن من إنجاز شكل للحياة الاجتماعية لا يعرف ليس فقط مكاناً لخضوع المرأة للرجل، بل كذلك لا يعرف مكاناً يكون فيه ماثلاً حضور أي خضوع لكائن تجاه كائن آخر. وهذه المرأة، إذ تضع يدها في يد الرجل – ليس على النمط القديم الذي تكون فيه المرأة مجرد وحي يلهم الرجل سواء كان زوجها أو ابنها أو أخاها، بل رفيقة درب وسلاح تتعامل معه تعامل الند للند – ليحاربا معاً في سبيل أعظم المثل العليا في أيامنا هذه. ويقيناً أن إبسن لم يعرف هذه المرأة... لو عرفها لوجدناها في مسرحياته".

من الأسئلة الفنية إلى الأجوبة السياسية

لكن إبسن، وهذا ما لم يوضحه تروتسكي طبعاً في هذا النص، رسم بدايات وجود تلك المرأة من خلال الأسئلة التي لا شك تطرحها نهايات مسرحياته حين لا يتوانى متفرجه أو قارئه عن طرح السؤال الحاسم "ماذا بعد؟" على هيدا أو نورا أو الخالة جوليانا وإيلليدا وغيرهن من النساء اللواتي ملأن مسرحيات لا شك أنها كانت لافتة في ذلك الزمن، على الأقل في التشخيص الذي قدمته لوضعية المرأة، وربما البورجوازية فقط وليس أية إمرأة على أية حال، إنما من دون أن تجد أو يجد كاتبها أن عليها أو عليه أن يعثران على الحلول الصالحة. ولعل هذا ما أراد ليون تروتسكي (1879 - 1940) أن يعبر عنه من خلال رسمه الدقيق لوضعية المرأة، ومن خلال اتخاذه نساء إبسن نماذج صالحة لتوصيف القضية، معتبراً أن بقية الأجوبة، والحلول بالتالي، يتعين الوصول إليها من طريق العمل السياسي والنضالي الاجتماعي، وليس من طريق العمل الفني. ومن الواضح أن هذا البعد يسجّل لصالح المناضل السياسي الذي كانه تروتسكي حتى وإن كان يبقينا على ظمئنا لمعرفة ما الذي كانت أحوال النساء ستؤول إليه في ظل سلطات سياسية لا تعود منعتقة من الضغوطات السياسية وتتمتع دائماً بحرية الوقوف إلى جانب القضايا العادلة من دون أن تجد نفسها مرغمة على التسويات والتنازلات... ومن المؤكد أن هذه مسألة أخرى تماماً تقف خارج مسرح إبسن ولا علاقة حاسمة لها بـ...نسائه!

المصدر: إندبندنت - إبراهيم العريس

مواضيع أخرى ربما تعجبكم

0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

الاشتراك في نشرتنا البريدية