لم تكن تجربته الفنية قد نضجت كما يشتهي هو في الوطن، بما تحمله الكلمة من قسوة، إذ أقام معرضًا فرديًّا لأول مرة في المركز الثقافي في عامودا عام 1996 تلاه معرض جماعي في غاليري السبيل-حلب ثم عاد بعد عام ليقيم معرضًا فرديًّا أيضًا في مسقط رأسه عامودا ثم شارك في معرض المركز الثقافي الجماعي في القامشلي. واختتم الفنان سيدا نشاطاته الفنية في المركز الثقافي الروسي في دمشق في العام 2000، ذلك العام الذي قطع السوريون فيه الأمل بأي تغيير في بنية السلطة والنظام. ومثل كثيرين ممن ضاق عليهم القفص وبرهنت الأحداث أن التغيير شبه مستحيل في تلك البلاد، هاجر محمد سيدا واستقر في السويد ليمضي في مشروعه الفني المتميز فنانًا كاريكاتيريًّا ورسامًا تشكيليًّا ومصممًا سرعان ما لفت الأنظار وجذب نحوه الذائقة الأوربية الصعبة على الترويض.

ترك الفنان سيدا بلاده باحثًا عن فسحة للحرية والهدوء والتركيز الذي تحتاجه أنامله بعيدًا عن أجواء الخوف والكوابيس الأمنية. ترك بلاده ليواصل ليس فقط مشروعه الفني بل نشاطه السياسي المناهض للديكتاتورية والتمييز والعنف ضد المرأة. شرعت له السويد أبواب المشاركة في الفعاليات الفنية على أرض المملكة الباردة. بل انفتحت الأبواب على مصاريعها ليشارك الفنان سيدا في معارض جماعية حتى في بعض الدول الأوربية ويترك بصمة واضحة في مسيرته الفنية الجميلة.

الفنان محمد سيدا، فنان هادئ، رزين يتمتع بشخصية فنية واضحة الملامح، أعماله تشي بحرفية نادرة، يشتغل بعيدًا عن صخب الإعلام والسعي إلى الشهرة.

في ألمانيا، التقيناه وكان هذا الحوار الثري.

جان دوست (ج. د.): في حوار تلفزيوني قارنت بين السويد وسوريا من حيث الاهتمام بالنشاطات الفنية ومعنى التصدي للنظام وخلصت إلى القول إن تحدي النظام الشمولي في بلد حر مثل السويد لا يعني شيئًا. هل هذه دعوة منك إلى تخلي المرء عن قناعاته بمجرد وصوله إلى أرض حرة؟

محمد سيدا (م. س.): لا، القناعات هي نفسها لكن السلطة هنا مختلفة. النظام في السويد ملكي لكن ليس للملك إلا صلاحيات شكلية تمثيلية. إلا أن البرلمان ديمقراطي ويمثل المنتخبين حقيقةً لا زورًا وبهتانًا كما في سوريا حيث الرئيس هو الآمر الناهي دستوريًّا وتشريعيًّا وتنفيذيًّا وقضائيًّا. ولأنني أعيش حرية الكلام هنا تنتفي ردات الفعل العنيفة من الجهتين، من السلطة الحاكمة ومن المنتقدة، لصالح الحوار الأكثر احترامًا ووعيًا وحضاريةً مقارنةً بسياسات تكميم الأفواه والمعتقلات والسجون التي تنتظر أصحاب الفكر المخالف للسلطات شرقًا. في البيئة القمعية كلمة "لا" الرافضة مدوية أكثر. تسمع صداها جيدًا حتى ولو كنت أنتَ الذي قلتها. وذلك لأن عدد الذين يتجرؤون على التعبير عن آرائهم في ظل الدكتاتوريات قليل من ناحية، ومن ناحية أخرى لأن الكلام العاقل الواعي الرافض للظلم يضرب عميقًا أسّ السلطات الشمولية وأعمدتها الفكرية الهشة. ربما هي الفيزياء خير من علمتنا بأن لكل فعل ردة فعل معاكسة في الاتجاه ومماثلة في القوة. هنا في السويد ولأن الحوار الهادئ سيد الحلول ننتقد بلطف أيضًا حد التلاشي.

(ج. د.): نلاحظ اهتمامك باللون على حساب الجسد البشري. هل يمكن أن تفسر لنا سبب المهرجان اللوني التجريدي وغياب العنصر البشري عن كثير من لوحاتك؟

(م. س.): لكل فنان رؤيته وتجاربه وهمومه وهوسه. كل منا يبحث عن ضالته وأنا لا أرى نفعًا تشكيليًّا فكريًّا من رسم ما هو موجود سلفًا كتكوين. جهاز الكاميرا مثلًا يأخذ صورًا أكثر دقة من أية لوحة لأي فنان واقعي. ازدهار رسم البورتريه في القرون الوسطى كان له ما يبرره بسبب عدم امتلاكهم طرقًا أخرى في التوثيق بينما نحن اليوم لا نحتاج إلى كل هذا الجهد المضني في رسم لوحة واقعية لن تستطيع مجاراة الصورة الفوتوغرافية مهما بلغت قوةً وحرفيةً. لا أعتقد بأننا سنستفيد فكريًّا وثقافيًّا وتشكيليًّا من شيء إن رسمنا ما هو موجود سلفًا. في التجريد تُفتح الأبواب والشبابيك على مصراعيها. التجريد يُخرج العقل من قوقعته ويسرح به خارج صندوقه. أكتشف نفسي به ويكتشفني الآخرون أيضًا به. هي الدعوة إلى رؤية مخالفة للواقع من وجهة نظر أخرى، أو من زاوية أخرى، تتيح لي ولنا كلنا التفكير مليًّا بماهية الفن والحس والأنا المجربة الباحثة. وجود الجسد في اللوحات أمر جميل ولست ضده إن رُسم كسهل، أو كجبل، أو كغرفة مترامية الأطراف. الأجساد إن لم تحرك المياه الراكدة في عقولنا فلا فائدة من وجودها.

(ج. د.): إلى جانب الرسم بالأكريليك وغير ذلك أنت فنان كاريكاتير، كيف ترى استقبال الجمهور للوحاتك الكاريكاتيرية؟ ولماذا برأيك تصل فكرة الكاريكاتير إلى المتلقي أسرع من وصول فكرة اللوحة الفنية؟

(م. س.): رسمت الكاريكاتير أولًا وطويلًا، وأعتقد أن النسبة الأكبر من الذين يعرفونني لا يرون فيَّ إلا رسامًا للكاريكاتير. الكاريكاتير الناجح من وجهة نظري هو المكثف والواضح والجالب للبسمة/الضحكة. وأعتقد أن هذه الصفات مجتمعةً جاذبة أكثر لاهتمام العامة مقارنة باللوحة التشكيلية الملونة. نستطيع تمثيل لوحة الكاريكاتير بقول مأثور. فالأقوال المأثورة عادةً ما تكون ذكية الطرح ومكثفة فكريًّا ومباشرة كما الكاريكاتير. شخصيًّا أعتقد أن معظم ما أرسمه بالحبر الأسود ليس بالكاريكاتير، إنما هو تشكيل فني بمعنى مباشر قريب من طرحي للكاريكاتير. أحيانًا هي پوستر وأحيانًا هي لوحات تشكيلية بلون واحد. معظم ما أرسم لا يجلب الضحك المباشر مثلًا. وشخصيًّا أبحث عن تلك الابتسامة اللازمة لاستقبال الرأي بسهولة.

لا نستطيع وضع الجمهور في قوالب جاهزة ومعينة لكننا نستطيع بحكم التجربة تخمين ردات فعله أو آرائه حيال أمر ما والتخمين في مجمله لا يصيب دومًا. كثيرًا ما اعتقدت مثلًا بأن لوحتي الجديدة ستنال إعجابًا كبيرًا وستلفت الأنظار إليها لكنني أتفاجأ بعدم اهتمام عام بها. وأحيانًا يحدث العكس تمامًا.

لوحة سريعة التنفيذ قد تلاقي اهتمامًا كبيرًا لم يكن متصورًا من ناحيتي. أي أن الفنان أيضًا في سعي مستمر لفهم الجمهور الغني باختلافه كما هم يسعون لفهمنا نحن معشر التشكيليين. نقطة مهمة لا بد من ذكرها هنا وهي أن الكاريكاتير فن تشكيلي في الأساس قبل أن يصبح أداة صحفية مهمة يتم من خلالها تسمية الفنان بالرسام الصحفي أو الصحفي الرسام. ولأن اللوحة التشكيلية بشكلها المتعارف عليه اليوم غير سهلة الفهم وبحاجة إلى مجهود فردي ليس بالقليل لفهمها يمتنع عامة الناس عادةً عن محاولة فهمها والدخول في عوالمها إن لم يكونوا من عشاقها لهفةً وممارسةً.

(ج. د.): تشتغل على الخشب وتبدع به تصاميم جميلة. هل لك أن تروي لنا قصتك مع الخشب؟ هل للسويد وهي بلاد تتمتع بوفرة هائلة في الأخشاب تأثير في هذا التوجه الفني؟

(م. س.): في قرانا وفي بيتنا الطيني القديم كانت ثمة أعمدة من الخشب تحمي أيامنا وليالينا وأحلامنا. تلك الأعمدة عادةً ما كانت من أشجار البتولا التي كانت تنمو سريعًا مثلنا نحن. تلك العواميد، والخشب السويدي المستخدم بكثرة في صب الإسمنت لبيوتنا، رافقاني إلى حيث بلد الغابات والخشب الكثير المدلل. درست المعهد العالي للتصميم مع اختصاص الخشب لأمور عديدة من بين أهمها حفاظها على الأمن البيئي وقربها من ذاكرتي وذاكرة كل البشر. الخشب مادة تحب من يتعامل معها بلطف وهي تستحق حقيقةً كل اللطف والاهتمام. الأخشاب مواد تتمتع بقابليات مفتوحة تتيح للمصممين الابتكار والإبداع بها دون أن تكون لا مضرة بنا ولا بحياة أولادنا ومستقبلهم. فلماذا سأختار كمصمم غيرها؟ نعم للسويد الدور الأهم في اختياري لهذا الاختصاص.

(ج. د): إذن حدثنا عن عملك الفني الشهير الذي لفت أنظار السويديين، أقصد المصباح القصبي وكذلك التمثال الملون "الخنثى" والذي اعتمدت في تصميمهما كليهما على مادة الخشب. ما الذي دفعك إلى نحت هذين التصميمين؟

(م. س.): قبل التخرج من المعهد العالي للتصميم نحصل كطلاب على فرصة عرض عمل لنا عن طريق الجامعة في أهم معرض دولي للموبيليا والمصابيح في العاصمة ستوكهولم. المعرض يضم عادةً أكثر من 700 شركة عالمية في هذا المجال، ولكل شركة مئات المنتجات في هذا المضمار. هو لقاء غير متكافئ مع الشركات العالمية صاحبة المال والخبرة لكنها فرصة قيمة لرؤية العالم المبدع حتى في أدق التفاصيل. عام 2014 شاركت بتصميم مصباح من أشجار وشجيرات البامبو، القصب النهري، كروية الشكل بقطر 80 سم. هي كانت عبارة عن حلقات مختلفة الطول والعرض متلاصقة مع بعضها بزاوية محددة مشكلةً اللمبة "سولين". أطلقت عليها اسمًا كُرديًّا لسببين: أولًا لأنني لم أكن فقط الكُردي الوحيد هناك وإنما ربما الشرقي الوحيد وسط أسماء غربية فقط. ثانيًا لأن Sol بالسويدية تعني الشمس وin الداخل وبذلك أصبح الاسم يعني: "الشمس الداخلة" أو "داخل الشمس" وصار اسمًا مطابقاً لفكرة بناء لمبة صديقة للبيئة ومبتكرة في الشكل والتصنيع وحتى في طريقة التعليق. الاهتمام بها رأيته من الزوار ومن أصحاب الشركات أنفسهم وحصلت وقتها لأجلها على عروض جميلة.

وما أفرحني أيضًا بصددها هو أن زملاء لي شاهدوها على التلفزيون السويدي الرسمي SVT1 حين كانوا يغطون المناسبة ويظهرون الأعمال اللافتة للنظر تصميمًا وفكرًا. حتى الآن عُرضت في ثلاث مدن سويدية ومن يدري قد تستمر بالانتشار غدًا ويتم عرضها في مدن أخرى.

أما التصميم HEN وهو مصطلح سويدي يمكن أن نترجمه بالعربية إلى الضمير الثالث فيتكون من أعواد خشب الصنوبر بألوان مائية عالية التكثيف صديقة للبيئة على شكل هرم، منارة، إنسان غير محدد الجنس. عام 2015 اعتمدت السويد بشكل رسمي هذا المصطلح لتفادي التفريق في الكلام بين الجنسين. كأن نقول في العربية مثلًا "المرء" كدلالة على الإنسان دون تسمية جنسه إن كان ذكرًا أو أنثى. أعتقد أننا نحن البشر ما دمنا على هذا القدر من التطور بحاجة إلى مفاهيم جديدة تخفف ما بيننا من حدة النعرات الطائفية والجسدية والدينية والعرقية على قاعدة حق الفرد في اختيار طريقة حياته طالما لا يتعدى على حدود الآخرين. أعتقد بأنه من المجحف بحقنا بعد كل هذا التطور الفكري أن نعتمد في تصنيفنا للبشر على أعضائهم الجنسية، ذكورًا وإناثًا، لا على أفكارهم وآرائهم. نحن سكان كوكب واحد بحقوق وواجبات واحدةً وبقابليات مفتوحة يجب ألا يؤطرها لا دين معين ولا قومية معينة أو جنس معين. الضمير الثالث هو نحن أبناء هذا الزمن المتنوع حتى في صفاته. أنا الرجل الذي أحمل مفاهيم أمي الأنثى جنبًا إلى جنب مع مفاهيم أبي الذكر. أنا المسلم المقيم بين المسيحيين. وأنا الكُردي المتعلم بالعربية. 

أنا الشرقي الساكن في الغرب وأنا الإنسان أينما وكيفما عشت. نحن لم نعد نملك النقاء المزعوم عرقيًّا ولا النقاء المزعوم قوميًّا ولا كذلك النقاء المزعوم دينيًّا حتى. بل نحن البشر نتاج تلاقح كل هذه الحضارات والثقافات وبالتالي هل نصدق القول إن قلنا "المختلف" لا يخصنا؟

الضمير الثالث هو نحن بكل ألواننا، ونحن بكل أعراقنا، ونحن البياض المشع في أعلى الهرم.

يُذكر أن هذا التصميم أيضًا تنقّل بين ثلاث مدن حتى الآن ولقي اهتمامًا واسعًا في الصحافة المحلية. 

(ج. د.): ما هو حجم التأثير المتبادل بين معارفك الهندسية المعمارية وبين إبداعك الفني خاصة في مجال التصميم؟ كيف أثر أحدهما في الآخر؟

(م. س.): فن العمارة من أقدم الفنون التي اعتمدت التصميم كمبدأ. في التصميم نعالج المشكلة وكذلك في العمارة. في كلا الاختصاصين مجال واسع للإبداع وللابتكار ولا يمكنني إلا الغوص فيهما بحسب طاقتي. كلاهما يؤثر في الآخر إيجابًا لأنهما أحيانًا اختصاص واحد بتفاصيل ومهام مختلفة. المهارة في إيجاد التوازن، وفي تحديد مراكز الثقل بالإضافة إلى تحليل نقاط الضعف والسعي لتلافيها، مع استخدام المادة الأنسب لكل شكل وتصميم، أمور ونقاط متلاقية ومتقاطعة استفدت منها كثيرًا كحامل للاختصاصين. قد يختلف حجم المهام أحيانًا لكن في كليهما سعيٌ ومثابرة لا بد منها على الدوام. في كلا الاختصاصين ثمة ذكاء لا يستوي إلا مع التجريب والبحث والسعي للحلول الأنجع في خدمة بيتنا الكبير، الكرة الأرضية، بكل ما عليها.

(ج. د.): في حواراتك، كما في منشوراتك على منصات التواصل الاجتماعي نلاحظ اهتمامًا لافتًا بموضوع حرية المرأة من جهة ونقد الإسلام السياسي من جهة أخرى. ما سبب اهتمامك بهذين الموضوعين المترابطين أصلًا؟

(م. س.): الإسلام السياسي مثله مثل المسيحية السياسية وكلاهما معًا مثل كل الأديان التي دخلت حلبة الصراع لأجل الحكم والسلطة في أية رقعة من الأرض كانت. المعتقدات والأفكار اللاهوتية الدينية، في نظري، كانت على الدوام الأجوبة المسيسة لجهلنا والهادفة لامتلاك قراراتنا. اللاهوت ابن بيئته، ابن المكان بأدواته وثقافاته. وبالتالي أعتقد أن ما خُلق في المكسيك من لاهوت لم يكن لينفعنا هنا في الدول الاسكندنافية حتى ولو جاؤونا "فاتحين". للأديان أيضًا سياساتها وربما هي ذاتها الشكل البدائي للسياسة بصيغتها الحالية الحاكمة للمجتمعات المنضوية تحت لواء قوانينها.

أنتقد الإسلام السياسي لأنني ابن بيئة مسيسة بالمال السياسي. وأدافع عن حقوق المرأة لأنها مظلومة وحقوقها منهوبة حيث أنتمي. هو نقد وكلام ذاتي. كلام في مشاكلنا وهمومنا معًا، لا كما يصور البعض بأنه نقد "خارجي" كوني أعيش اليوم في الغرب الأوروبي. في التاريخ الإسلامي نستطيع قراءة الجميل عندما كان الحاكم جميلًا ونستطيع قراءة الفظائع في ظل حكام لم يكونوا إلا طغاة. الدين استخدم كل أداة على مر التاريخ وما مصطلح "الإسلام السياسي" إلا شكل من هذا الاستخدام الحديث للدين لأجندات هدفها السلطة ولا شيء آخر. في كل ما سردت هنا، وفيما لم أسرده بعد، يقف الرجل، تقف الذكورية، كأكبر المتهمين بصنع هذا التاريخ البائس من الصراعات التي أنهكت الكل. وربما لأن المرأة كانت الخاسر الأكبر أريد الدفاع عنها قدر المستطاع أولًا.

(ج. د.): هل تؤمن بقوة الإبداع وتأثيره في التغيير؟ هل يمكن لجمال الفن أن يهزم أو يواجه قبح العالم المتمثل في الحروب والظلم وغير ذلك؟ وهل أنت مع نظرية الالتزام في الفن أم على الفنان ألا يتقيد بأية قيود خارج دائرة الهوس الإبداعي؟

(م. س.): التغيير يبدأ من وجهة نظري عندما تولد الفكرة. والأفكار غير الاعتيادية، المبدعة والحالمة، هي التي تغير واقعنا حين تصبح حقيقة. كان التفكير بالطيران "حلمًا"، وزيارة القمر كانت من "المستحيلات". الأقمار الصناعية وهذه القنوات الإعلامية والثقافية غيرت مفاهيم ووجه العالم بفضل فكرة أطلقها يومًا ما "مجنون" فكر خارج صندوق مجتمعه. نعم، أعتقد أن الإبداع هو أس التغيير في المجالات كافة.

أما فيما يخص قدرة جمال الفن على هزيمة قبح الحروب فلا أعتقد أن المقارنة هنا ممكنة لأن "الفن" فكر وجمال حسي أساسه العقل الواعي لقيمته، بينما الحروب جاهلة، لا عقل ولا "منتصر" فيها مهما ادعت العكس. بفضل الفن والكلام المكتوب، الديني منه والأدبي، نملك هذا الجمال الفكري الذي نحاول قدر المستطاع الدفاع عنه، كل منا بأدواته، في وجه الحروب وأصحابها الطغاة. نحن المنتصرون، لو أردناها واضحة، مهما بدا يومنا كئيبًا هنا أو هناك.

أنا مع حرية الفنان بغض النظر عن أي تصنيف له ولدوره. إن أراد الالتزام فليكن وإن أراد الهوس الفني المسمى "بالفن لأجل الفن" فهو التزام أيضًا بالهوس البشري في التجريد. كل ما ينتجه الفنان الحق مكسب فكري يغني مداركنا ومفاهيمنا الواعية منها واللاواعية. شخصيًّا لا أحب الحدود عامةً لكنني مع أن يعرف المرء "حدوده" حين تقابل "حدود" الآخرين. الفنان إن احترم ذاته سيحترم الآخر بالضرورة. ومن يحترم الآخر، سواء كان هذا الآخر بشرًا أو بيئة طبيعية، هو كائن ملتزم مهما بدا حرًّا ولامنتميًا. ربما هنا من الضروري أيضًا إضافة أن البشر لا يولدون أحرارًا، كما هو متعارف عليه، لأن الحرية تُكتسب بالمعرفة ولا تنزل على الأدمغة التي لا تراها.

ج. د.): لو عدت إلى عامودا لتضع أحد تصاميمك في ساحة من ساحاتها فماذا ستختار؟ وفي أية ساحة؟

(م. س.): ربما العودة إلى عامودا حلم، لكن الأحلام الجميلة هي التي تستحق شرف محاولاتنا لتحقيقها. أريد العودة وأريد العمل فيها على كل تفصيل يمثلها. لا أعتقد أنني قادر على تحديد عمل/تصميم معين لها، لأنها بكل بساطة السبب ولأجلها ترخص كل محاولاتي.

لو عدت، سأبدأ من مقبرتها، شرمولا، حيث الأهل والجيران والأصدقاء الذين ينتظرون عودتنا.

(ج. د.): من الواضح أن مقبرة شرمولا، وهي التلة الترابية الكئيبة، أصبحت مصدر إلهام لكثير من مبدعي عامودا. ما السر في ذلك؟ هل لأن حقيقتنا الأخيرة تنتهي في المقابر؟ أم أن هناك جاذبية خاصة لهذا المدفن البشري القديم؟

(م. س.): ربما السر في اسمها المُبهم، وكذلك التاريخ غير الواضح كثيرًا مما أثار فضول الكثيرين لسبر أغوارها ومعرفة أسرارها. وربما لأننا كبرنا بدون هضبتنا، تلة عامودا على الجانب الآخر من الحدود، التي أراد لها المستعمر أن تكون "تركية" وأن يكون اسمها تلة الكمالية. أو ربما الحدود المرسومة كمسار طلقة هي من أجبرتنا على الاهتمام أكثر بتلّتنا الباقية، الأصغر حجمًا، شرمولا. من تراب هذه التلة بنينا بيوتنا الطينية وحين صعدنا إليها رأينا عامودا بيتًا واحدًا بساحة دار مفتوحة على الجميع. لم تكن عامودا كئيبةً كما اليوم، هي لم تكن إلا قرية حالمة احتوت السياسيين والمثقفين ورجال الدين المعتدلين. حين توفي جدي الأكبر الملا عبيد الله، السَيدا الكبير كما كان يسمى، دفنوه وحيدًا بالقرب من شرمولا، حيث أراد في وصيته. تتالت الوصايا بعدها في طلب الراحة الأبدية إلى جانب قبر المعلم الأول حتى أصبحت كما هي اليوم مقبرة شرمولا. هذه المقبرة هي التي احتوت أيضًا أشلاء أطفالنا حين اشتعلت بهم سينما شهرزاد لأجل الجزائر. سؤالك هذا مؤلم يا صديقي. نعم، هذا المدفن البشري القديم أصل الحكاية ومصدر إلهامنا نحن أبناءها المبعثرين اليوم على خارطة الجهات كلها.

المصدر: موقع جدلية


مواضيع أخرى ربما تعجبكم

0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

الاشتراك في نشرتنا البريدية