باشمئزاز واستغراب، قالت السيدة، وهي ربة منزل بسيطة التعليم والثقافة: كيف يتحمل هؤلاء أنفسهم بهذا اللون؟ كانت ترمي إلى اللاعبين ذوي البشرة السمراء أو من أصل أفريقي المحترفين في الدوريات الأوروبية، ورغم ولعي بكرة القدم وسيطرة فعل المشاهدة على حواسي تماماً، لكن تلك الجملة المباغتة هوت كالصخرة على رأسي في تلك اللحظة، فما كان مني إلا أن استدرت وقلت لوالدة صديقي: هؤلاء خلقهم الله بهذا اللون كما خلقنا نحن، ولم يدهنوا أنفسهم بطلاء أسود!

لا أذكر ردها على مداخلتي ولا أذكر حتى بقية الحديث، لكني لطالما شعرت أن من حظ السود أنهم ليسوا موجودين في مجتمعنا، فلم يكن سيضيف وجودهم إلا شقاء ومعاناة لشقائهم ومعاناتهم التي عاشوها أينما حلوا، وأقصد السود.

ما الذي يفسر موقف تلك السيدة البسيطة؟ وهي لم تعش مع أو تخالط سوداً في حياتها، لماذا موقفها سلبي تجاههم وهي الشرقية العربية المسلمة المنتمية أصلاً إلى أقلية مذهبية؟ حيث كل انتماءاتها قد تجعلها عرضة للكراهية في ظرف ما.

لكن الأمر، في ما يبدو، أبعد من مجرد حالة فردية، فتلك التصورات المشبعة بالكراهية والعنصرية ليست فريدة أو استثناء أو حتى نابعة من خلفية معادية للآخر، بل هي انعكاس لثقافة سائدة في مجتمع مولع بالتصنيفات على اختلافها.. العرق، والدين، والمذهب، واللون، والجنس، والطبقة، والجغرافيا، وأشياء أخرى.

يحضرني أيضاً موقف شهدته في مدرستي الابتدائية قبل أكثر من 20 عاماً، مع طفل أصغر مني سناً ملامحه تُشبه الآسيويين إلى حد ما، وأذكر أني سمعت طفلاً آخر على خلاف معه يناديه "يا صيني"! وكانت الغاية من ذلك الوصف إهانة الطفل والنيل من كرامته. الغريب أنني لم ألتقِ صينياً واحداً في بلادي، على ما أذكر، فلماذا وكيف إذن بدت صورة الصيني "سيئة" في وجدان ذلك الطفل؟

أعتقد أن القصص الإنسانية التي يُعايشها المرء تمنحه أهم الدروس التي قد يتعلم منها، ولهذا سأجازف بحكاية أخرى ربما تعكس ما أحاول الإضاءة عليه في هذا المقال.

بحكم أن السنوات العشر الأولى في حياتي قضيتها في منطقة عسكرية -حيث كان يخدم والدي- تضم مجتمعاً متنوع المناطق والانتماءات الدينية والمذهبية والعرقية، أذكر أن عائلة كردية سورية من حلب كانت تعيش إلى جوارنا، وفي إحدى المرات بينما كنت وأصدقاء الحارة ومن ضمنهم ابن تلك العائلة نفسها نلعب سوياً، قال أحد الأطفال موجهاً سبّابته نحو الطفل الكردي: هذا من الأتراك الذين استعمرونا طويلاً، وما لبثنا أن علت أصواتنا هجوماً وسخرية من ذلك الطفل المسكين الذي لم يصمد أمام سهام كلماتنا، فما ما كان منه إلا أن بدأ بالبكاء وانسحب مهرولاً إلى منزله، ولم يحدث شيء بعد ذلك. الغريب والطريف أن ذلك الطفل كان كردياً وليس تركياً! وربما ما عاناه مجتمعه في الحقبة العثمانية أكثر مما عاناه العرب بكثير.

الإشكالية في هذا الموقف ليست مجرد الالتباس الحاصل بين "الكردي "والتركي"، وهذا بطبيعة الحال لا يمنع من الاعتراف بـ"الجهل"، فبدل أن تتعرف المجتمعات السورية على بعضها البعض كان محظوراً مجرد الإشارة إلى أي انتماء حتى لو بقصد المعرفة، فكانت مجتمعاناتنا على تنوعها تجهل الآخر، وتتعايش بحكم القوة أكثر مما هو بحكم التفاهم والقبول.

كما لا يرتبط ذلك الموقف بإدانة الشخص "الطفل" وأذيته نفسيا،ً بقدر ما يرتبط بالاستعداد للإدانة القائمة على انتماء ما، فحتى لو كان الطفل تركياً، والتركمان من المكونات السورية أساساً، هل يُبرر ما حدث؟ بالتأكيد لا. هل عولج الموقف آنذاك؟ بالطبع لا.

أعتقد أن "لا النافية" ستُرافق الكثير من الأسئلة التي تبحث في مشاكل المجتمع السوري، لاسيما في ما يتعلق بفهم الظواهر السلبية، ومحاولة تفكيكها وتشريحها ورصد أسبابها، فليس من المبالغة القول إن الدراسات والأبحاث التي تناولت الظواهر النفسية والاجتماعية شحيحة جداً، فأغلب ما كُتب عن المجتمع السوري اهتمّ بالعرض التاريخي أكثر من الخوض في جوهر منظومة العادات والقيم. هل يُعقل مثلاً أن تشيع في مجتمع ما أوصاف مثل: "رأس العبد" لأحد أنواع الحلوى؟ أو "فستق العبيد" لأحد أنواع البذور؟ أو أن تكون كلمات مثل "امرأة/(حريمة)" و"مثْلي" و"أصلع" و"قصير" و"بدين" و"أبرص" و"معاق" و"مُطلقة".. وغيرها الكثير، تعابير تُستخدم لشتم الآخر وإهانته؟ ألا ينطوي استخدام هذه الأوصاف للنيل من كرامة المختلف على موقف عدائي؟

تُعرّف الموسوعة البريطانية "خطاب الكراهية" بأنه الكلام أو التعبير الذي يُشوه سمعة شخص أو أشخاص، على أساس الانتماء (المزعوم) لمجموعة اجتماعية محددة بسمات ما، مثل الدين أو العرق أو اللون أو الجنس أو التوجه الجنسي أو العمر أو الإعاقة الجسدية أو العقلية وغيرها.

على أن هذه الظواهر لا تقتصر على مجتمع ما دون غيره، بل تشيعُ بنسب متفاوتة في مجتمعات كثيرة. لطالما تساءلت: لماذا مثلاً في لعبة الشطرنج الأبيض يبدأ دائماً؟ لماذا نقول "احفظ قرشك الأبيض إلى يومك الأسود"؟ أو مثلاً إذا أردنا أن نصف قسوة أحدهم نقول "قلبه أسود". من قال إن الأبيض يرمز للخير والفضيلة، والأسود يرمز للشر والرذيلة؟ إلى ما هنالك من المفاهيم والصور النمطية.

حتى منتصف القرن الماضي كان السود محرومين من حق التصويت في الولايات المتحدة، وفي القرن نفسه حصلت المرأة على الحق ذاته في كافة بلدان العالم تقريباً، وذلك بعد آلاف السنين من الهيمنة الذكورية على المجتمعات. رحلة البشر ليست قديمة مع الحقوق، والميثاق العالمي لحقوق الإنسان اعتُمد عام 1948 وليس قبل ذلك!

في كتابه "الهزيمة والأيديولوجيا المهزومة" يتحدث المفكر الراحل ياسين الحافظ عن المواقف التي تركت أثراً فيه خلال دراسته بالعاصمة الفرنسية باريس وهو الشاب القادم من مجتمع قبلي، حيث يقول إن أكثر المشاهد التي أثارت انتباهه وقوف الطالبات في الجامعة مقابل زملائهم الشباب والتحدث بكل جرأة وثقة، وعيونهنّ مصوبة نحن أعين محدثيهم، بينما المجتمع الذي نشأ فيه الحافظ إذا ما أراد مدح فتاة قال عنها "خجولة"، و"قليلة الكلام"، و"رأسها دائماً للأسفل". أليست هذه صور نمطية تجاه المرأة؟

يولد الإنسان صفحةٌ بيضاء، تملؤها الأسرة والمجتمع والمدرسة والنظام السياسي والتجارب الشخصية بالتصورات والمفاهيم والمواقف تجاه العالم المحيط، بما فيه من اختلاف وتنوّع، وكل من تلك المفاعيل تلعب دوراً في تشكيل شخصية الإنسان وبناء وعيه، علماً أن المجتمع لا يزال الفاعل الأكثر تأثيراً في تشكيل شخصية الإنسان في العالم العربي، وهذا ما تطرق إليه المفكر الفلسطيني الراحل هشام شرابي في كتابه "مقدمة لدراسة المجتمع العربي" حيث يتساءل: من يُشكّل الآخر؟ المجتمع أم الفرد؟ ويصل في نهاية المطاف إلى اعتقاد بأن الفرد العربي يعيش معظم أو كل حياته أسيراً لثقافة مجتمعه.

المجتمعات ليست متماثلة في عاداتها أو متطابقة في تفكيرها، وليس مطلوباً أن تكون كذلك، فلكل منها خصوصيته وتجربته، فزواج الأقارب مشروعٌ مثلاً في مجتمع ما، لكنه يُعتبر "زنا محارم" في مجتمع آخر.

على أن هذه الاختلافات باتت تتضائل اليوم في ظل وجود منظومة قيم أجمعت عليها تقريباً الكثير من البلدان، وأبرزها "قبول الآخر" بغض النظر عن هُويته، واحترام خصوصيته وخياراته، ولذلك من حق كل مجتمع أن يبني تجربته الخاصة ويحافظ على موروثه وعاداته، لكن المهم أن لا تتناقض مع القيم الإنسانية العصرية.

من الواضح أن محاربة "خطاب الكراهية"، في المدى المنظور، يحتاج الكثير من العمل في سوريا والمجتمعات العربية عموماً، شرط أن تتبى الحكومات منظومة القيم وتسن القوانين التي تصونها، وهذا يحتاج أيضاً مشاركة فاعلة من منظمات المجتمع المدني، والنخب المؤثرة على كافة المستويات.

وقد لعبت النخب عبر التاريخ دوراً بارزاً في التمرد على منظومة القيم المعادية لحقوق الإنسان، منادية بالعدالة والمساواة، واستمر نضالها حتى باتت تلك القيم منصوص عليها في الدساتير والقوانين، ولعلّ سيطرة الأنظمة الشمولية لعقود في العالم العربي حالت دون قيام النخب بدورها في التأثير بالمجتمع، حيث بقي قرار التغيير في يد سلطات الأمر الواقع التي تركت الكثير من العادات والتقاليد والتصورات على حالها، تفادياً لأي صدام مع المجتمع.

على أن أكثر ما يُثير الاهتمام في محاربة "خطاب الكراهية، ما تطرقت له الموسوعة البريطانية، حيث تناولت موقفين متناقضين، الأول الموقف الليبرالي التقليدي الذي يؤيد السماح بـ"خطاب الكراهية" تحت مبرر حرية التعبير، إذ رغم اعتراف أنصار هذا التيار بالطبيعة البغيضة لهذه الظاهرة، لكن من وجهة نظرهم تُسبب رقابة الدولة ضرراً أكثر من "التعبيرات المتعصبة"، ويخشون أن تؤدي الرقابة إلى قمع حرية التعبير في قضايا أخرى على غرار انتقاد الحكومة، ويرون أن أفضل طريقة لمواجهة "خطاب الكراهية" إظهار زيفه في السوق المفتوح للأفكار.

أما التيار الآخر، فهو يؤيد رقابة الدولة على "خطاب الكراهية"، ويقول إن هذه الظاهرة ليست مجرد تعبير عن الأفكار، بل هي وسيلة فعالة لإخضاع ضحاياها اجتماعياً، بما في ذلك استهداف الأقليات المضطهدة تاريخياً، ما يُشكل بالضرورة حالة من عدم المساواة والتمييز الجائر الذي يُثقل كاهل الضحايا، ويؤدي إلى استدامة قمعهم وإسكات صوتهم. وينتقد أنصار الرقابة الموقف الليبرالي التقليدي من ناحية "الافتراض الخاطئ للمساواة"، الذي يتجاهل، من وجهة نظرهم، حقيقة أن هناك مجموعات مُهمشة ومعرضة بشكل خاص لشرور خطاب الكراهية.

لم ترتقِ منظومة القيم في أي مجتمع من تلقاء نفسها، والزمن لا يكفل التغيير للأفضل دائماً، ولعلّ التربية والتعليم هما المنطلق الذي قد يوفر أفضل بداية لفهم ظاهرة "خطاب الكراهية"، إذ لا يوجد مجتمع يتبنى "الكراهية" بالفطرة، فليست مجتمعات اليوم إلا نتاج لمجتمعات سبقتها، منها ما قطع شوطاً في الارتقاء بمنظومة القيم، ومنها ما تعثر في سيرورة تطوره، وهذا حال مجتمعات الشرق الأوسط ومن ضمنها المجتمع السوري.

لا نحاول في هذا المقال النيل من المجتمع السوري أو غيره أو تصويره بمظهر سلبي أو تعميم هذه الظواهر، فهو ليس استثناءً كما أسلفنا، لكن علاج المرض يبدأ بتشخيصه، بينما تجاهله يجعله عُرضة للتفاقم، ولا نزعم أيضاً أن بيدنا العلاج أو الحل، لكن من المهم محاولة البحث في جذور المشكلات والظواهر الاجتماعية.



* إن الآراء الواردة أعلاه تعبر عن رأي الكاتب ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع رامينا نيوز.




مواضيع أخرى ربما تعجبكم

0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

الاشتراك في نشرتنا البريدية