من المثير للقلق تخيل ما يمكن أن يحدث للمملكة المتحدة إذا استيقظ في صباح أحد الأيام جميع متطوعيها البالغ عددهم 16.3 مليون متطوع وقرروا التوقف عن تقديم دعمهم.
الأعمال التجارية والجمعيات الخيرية والخدمات المجتمعية والرعاية الصحية، وكل جزء من اقتصادنا سيتوقف مع إدراك مقدار ما نأخذ به هؤلاء الأشخاص وعملهم المتفاني كأمر مسلّم به دون أن نشعر بأهميتهم كما ينبغي أن يكون الشعور.
تلعب العديد من شركات المملكة المتحدة ولندن على وجه الخصوص دوراً في دعم القطاع التطوعي، إلا أن هناك مجالاً للارتقاء إلى مستوى أكبر والقيام بالمزيد، في ظل الوعي المتزايد بالدور الذي يمكن أن يسهموا به. بصراحة، من مصلحة الجميع، من مؤسسات وموظفين ومجتمع مدني على حد سواء أن ترفع الشركات من اهتمامها بخطط العطاء الموجّهة نحو هذه الشريحة الإنسانية الفريدة.
تتمتع الشركات بالقدرة على العمل كقوة دافعة، وتمكين الموظفين من إعطاء وقتهم وخبراتهم لمصلحة المجتمع، بروح جيش المتطوعين الأبطال الذين عرّضوا أنفسهم للخطر في سبيل إنقاذ الملايين من الأرواح أثناء الوباء وقبله في الكثير من الكوارث.
يُعد المتطوعون جزءاً أساسياً من اقتصادنا، وقد تم تكريمهم في أسبوع التطوع الوطني. ومن خلال تضحياتهم والتزامهم ونظرتهم الإيجابية، يساعدون مجتمعنا على الازدهار. وهناك طرق عديدة لحساب قيمة التطوع بقدر ما توجد طرق للتطوع، وقد حدد البحث الذي أجراه مكتب الإحصاءات الوطنية قيمته السنوية بالنسبة للاقتصاد البريطاني عند 23 مليار جنيه إسترليني، فقط بضعة ملايين جنيه إسترليني بالقرب من إجمالي صادرات السلع في البلاد لشهر مارس/ آذار.
يدعم هذا الرقم العمل المجهول لمتطوعي الأعمال في كثير من الأحيان. ويمكن للشركات استخدام مواهبهم العملية والمهنية لإحداث فرق كبير، سواء كانت شركات محاماة تقدم مشورات قانونية مجانية، أو من خلال موظفين من بنوك لندن يساعدون الطلاب من خلفيات محرومة أو مهمّشة بما يملكونه من مهارات في الرياضيات.
ويمكن أيضاً أن يمكّن الأشخاص من رد الجميل من خلال مشاركة المهارات والخبرات، والتقليل من مخاطر فقدانها، وإثراء تجارب العمل. نرحب بالطريقة المشتركة والاستراتيجية للتعامل مع التطوع في مرحلة ما بعد الجائحة والآثار الإيجابية التي يهدف إلى تحقيقها.
يُحسّن التطوع داخل المؤسسة كذلك قوة الأداء لدى مختلف الأعمال في شتى القطاعات؛ حيث يتعلم الموظفون مهارات جديدة، وتنمو ثقتهم بنفسهم أكثر، ويطورون العمل الجماعي. ويسهم التطوع أيضاً في المسؤولية الاجتماعية للشركات، ويرفع من ملفها المالي، ويساعد على تعزيز العلامة التجارية.
كما يمكن أن يساعد التطوع في حياة أصحاب العمل المهنية أيضاً، ويعد هذا إضافة جذابة للغاية إلى سيرتهم الذاتية، فضلاً عن تعزيز القدرة التنافسية للقوى العاملة في لندن، مما يجعلها مركزاً للابتكار بقدر ما تتمتع به من إيثار.
من الواضح مدى القوة الاقتصادية لتلك الرغبة في التطوع. وقد لا ينظر الكثير من الناس إلى الأمر بهذه الطريقة بالضرورة، لكن هذا الكلام يؤكد مجدداً أهمية المقولة القديمة: «الوقت هو المال». ولكن على عكس الاستثمار المالي، فإن الأشخاص الذين يتخلون عن وقتهم لمصلحة التطوع في كثير من الأحيان لا يرون عائداً ملموساً. وإذا أردنا دعم المتطوعين لدينا، والمساعدة في بناء اقتصاد أقوى، يجب علينا توفير الموارد للجمعيات الخيرية والمنظمات ذات الصلة.
قدّم «سيتي بريدج ترست»، الممول الخيري لمؤسسة مدينة لندن «سيتي أوف لندن كوربوريشن»، مؤخراً 15.5 مليون جنيه إسترليني إلى صندوق الاستجابة المجتمعية في لندن، والذي تم إنشاؤه لمساعدة الجمعيات الخيرية على خط المواجهة أثناء الوباء، إضافة إلى 25 مليون جنيه إسترليني سنوياً يمنحها للجمعيات الخيرية عبر العاصمة.
وساعد العمل بطريقة منسقة مع الممولين الرئيسيين الآخرين في العاصمة في المعركة الفورية والحاسمة ضد فيروس كورونا، ودعم الملايين من الأيدي والجهود التي تضافرت في مراكز الاختبار، في مستشفياتنا وفي دور الرعاية الخاصة بنا، إضافة إلى دعم الانتعاش الاقتصادي للعاصمة البريطانية. نود أن نشكر كل واحد من هؤلاء على جهودهم، ونقدّر مساهمتهم بشكل كبير. وبدعمهم يمكننا تحقيق المزيد.
قيمة التطوع لا يرقى إليها الشك، فهو محرك أساسي لاقتصادنا واقتصاد أي دولة تنظر بهذه الكيفية. كما أنه يرسم حياة أولئك الذين يقدمون المساعدة، وأولئك الذين يتلقونها. دعونا نمضي للأمام ونرتقي في سلم التطوع والعمل الخيري أكثر، فساعة واحدة تقدمها من وقتك يمكن أن تضيف أياماً وأسابيع وحتى سنوات إلى حياة شخص ما هو في أمسّ الحاجة إليها.

المصدر: الخليج

مواضيع أخرى ربما تعجبكم

0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

الاشتراك في نشرتنا البريدية