أخيراً ظهر ضوء في آخر النفق، وأصبح بالإمكان الحديث عن بداية النهاية لجائحة فيروس كورونا التي أرعبت العالم، دوله وقواه الكبرى قبل الصغرى، ومع انطلاق حملات التلقيح، التي ستشمل في الأيام والأسابيع المقبلة عدداً من الدول في مختلف أرجاء العالم، سيكون على مفكرين وخبراء وجهات ومؤسسات ودول مراجعة دروس هذا العام الاستثنائي في تاريخ البشرية بشكل عام، وتاريخها المعاصر بشكل خاص؛ إذ لا يمكن تصور المضي قدماً من دون الوقوف عند الآثار التي تركتها الجائحة، ومحاولة استخلاص أهم الدروس التي قدمتها لنا، فالعالم بأسره كان تحت وطأة ثقلها، وعانى ما عاناه اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً وصحياً، كما أن مستقبل الاقتصاد والسياسة في الأعوام المقبلة بات مرتبطاً بجدوى الخطط والآليات التي اتبعتها الشركات والحكومات خلال فترة الجائحة.


 قبل الجائحة، كانت العولمة قد مضت أشواطاً بعيدة في إعادة تعريف الإنسان بوصفه كائناً افتراضياً، يستطيع أن يلبي احتياجاته من خلال الفضاء الإلكتروني الذي أتاحته ثورتي التقانة والاتصالات، وبدا الكائن/الفرد، للمرة الأولى في تاريخ البشرية، على النقيض من تعريف أرسطو له بوصفه «كائن اجتماعي»، لكن مسيرة العام الماضي أظهرت خطورة الخروج من اجتماعية الإنسان إلى العالم الافتراضي؛ بل يمكن القول إن جزءاً كبيراً من دفاع الأفراد والمجتمعات التي عانت الحظر بسبب الجائحة كان دفاعاً عن بعدها الاجتماعي، ورفضها التام لأن تتحول إلى مجرد كائنات افتراضية، تمارس حياتها من وراء شاشات الكمبيوتر أو الهاتف الجوال، وستبقى الصور التي نقلت محاولات فئات عدة للتضامن الجماعي مع الضحايا أو الاحتجاج ضد الحظر ماثلة في وجدان البشرية، كنوع من أنواع المقاومة ضد تطرف العولمة في الدفع نحو تحويل العالم إلى فضاءات افتراضية. 


في الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل الأثر الكبير للمنتجات «العولمية» في استمرار ممارسة الناس لأنشطتهم المعيشية والخدمية؛ حيث مكّنت وسائل التواصل المجتمعات من تحقيق حد معقول من إشباع احتياجاتها، عبر التسوق الإلكتروني، والتعليم عن بعد، وإنجاز الأعمال، والتواصل مع الأطباء، واستمرار أداء الحكومات لأعمالها، وغير ذلك من الأنشطة الرئيسية في الاجتماع البشري، ما يجعل من الضرورة بمكان إعادة تقييم دور المنتجات العولمية وأهميتها لمستقبل البشرية، من خلال تصور غير راديكالي تجاه أنماط الاجتماع التقليدية، التي لا يمكن الاستغناء عنها، ليس باعتبارها أشكالاً وحسب، وإنما بوصفها مصدراً للمعاني الإنسانية الأصيلة.

 وما يصح على ضرورة المواءمة بين تاريخية العالم الواقعي للإنسان في مواجهة التحول نحو البعد الافتراضي، يصح أيضاً في مجال الدولة الوطنية وعلاقتها بالعولمة، فقد برزت معضلة تخلي الدولة الوطنية عن الكثير من مسؤولياتها لمصلحة الشركات «العولمية»، فقد كشفت أزمة النقص الحاد في المواد الطبية الأولية في الكثير من الدول المتقدمة عن إهمال حاد لسيناريو الأزمات الطارئة الكبرى، مثل الأزمات الوبائية؛ حيث فوضت الكثير من الدول أمر بعض الصناعات الدوائية الأساسية لجهات وشركات خارج حدودها، من باب المفاضلة في الربحية، على حساب الأولويات الصحية العامة.

 العلاقات الدولية التي تمر بأزمة تعريف للأدوار فيها منذ سقوط الاتحاد السوفييتي، ظهرت في حالة من الضعف غير المسبوقة لجهة ضعف التنسيق العالمي، وهو أمر كان واضحاً خلال العقد الأخير، لكنه برز خلال «عام كورونا» بشكل أكثر حدة، ويمكن القول إن انعدام الثقة هي السمة الأبرز، فقد تباطأ الكثير من الدول في تبادل بيانات مهمة حول الجائحة، ما جعل إمكانية محاصرتها بسرعة مستحيلاً، وقد ازداد الأمر سوءاً مع تبادل الولايات المتحدة والصين، وهما أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم، لاتهامات ترقى إلى مصاف الحرب البيولوجية، من دون أدنى اعتبار لضرورة التعاون الفوري وتغليب الجانب الإنساني على الجانب التنافسي، وهذا السلوك في التعاطي مع خطر عالمي بهذا الحجم يكشف عن وصول العلاقات الدولية إلى منعطف حاد، فقد لا تكون نهاية الجائحة الحالية إلا محطة من محطات تدهور هذه العلاقات، ما يجعل من الضروري إعادة طرح أسئلة جوهرية على نظام العلاقات الدولية، والإسراع في ترميم المؤسسات الدولية، لتكون أكثر استجابة في مواجهة التهديدات العالمية، وإعادة الاعتبار للقيم الأساسية التي نشأت من أجلها المنظمات الأممية، خصوصاً فكرتي الترابط والتضامن العالميين، فالمحافظة على هاتين القيمتين ليس مسألة أخلاقية وحسب، وإنما مصلحة سياسية عالمية، قد تكون أهم مصلحة ينبغي الدفاع عنها.

المصدر: الخليج

مواضيع أخرى ربما تعجبكم

0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

الاشتراك في نشرتنا البريدية