نشر صديق قبل فترة وجيزة عتاباً على موقع "فيسبوك" يقول فيه: "متأخراً عرفت أن بعضهم يرسل طلب الصداقة لكي تضع لهم فقط إعجابات (لايكات)، وهم بدورهم لايتنازلون أن يضعوا لك أي إعجاب لأن ذلك ينقص من قدرهم"، وأضاف في ردّ آخر ضمن خانة التعليقات: "الفيس عبارة عن تبادل بعض المعلومات، والسؤال هنا إذا لم يعجب ذاك الذي طلب الصداقة بأي منشور من منشوراتك، ولم يضع لك تعليقاً او إعجاباً.. فلماذا يبعث الطلب أصلاً؟!"


كلمات هذا الصديق تعكس آراء العديد من الفيسبوكيّين، سواء كانت صريحة أو ضمنية، فكلمات مثل: "وهم بدورهم لايتنازلون.. لأن ذلك ينقص من قدرهم" تعكس حالة مشاعر واقعية، وهي مرتبطة تماماً مع تفاصيل حياتنا اليومية التي فيها الكثير من القيم مثل الشرف والكرامة وعزّة النفس، وغيرها.


هذا الشكل من العتاب المكتوب دعوة إلى إبداء بعض الاهتمام وتعبير عن الاستياء في الوقت نفسه، رغم أنه أضاف في ردّ آخر "طبعاً المنشور ليس دعوة لأحد على التفاعل مع منشوراتي"، لكن يبدو هذا المنشور وكأنه معاتبة أشخاص على أرض الواقع ضمن قواعد الحياة الاجتماعية التي نعرفها.. لكن الحقيقة على خلاف ذلك!


هذا الصديق الحائر والمستغرب والغاضب من سلوك المستهترين بالقواعد التي وضعها لنفسه ولصفحته، في عالم لا يحترم القواعد، دفعه إلى طرح سؤال بسيط في ظاهره، لكنه عميق في باطنه، وهو: "فلماذا يبعث الطلب أصلاً؟"


هذا السؤال ربما يشابه في الفلسفة سؤال: "من أنت؟" أو "من أنا؟". إرسال طلب الصداقة له أسباب واضحة لا شك، من ضمنها المعرفة الشخصية، لكن بعض الطلبات ملتبسة. تتبادر أسئلة إلى الذهن هنا: هل إرسال طلب الصداقة يلزم الصديق بضرورة التفاعل؟ هل يلزمه بوضع إعجابات وتعليقات في كل منشور أو صورة تنشرها؟ هل هناك شروط واضحة لذلك عند إرسال الطلب؟ طبعاً لا! لكن لماذا نربط الصداقة الفيسبوكية هنا بضرورة التفاعل؟ هل عليك أن ترد الإعجاب بإعجاب أو التعليق بتعليق لأكون صديقاً فيسبوكيّاً وفيّاً؟


معظم الناس، خاصة كبار السنّ منهم، يجهل أدنى قواعد التعامل مع الإنترنت والأجهزة الإلكترونية الحديثة، بالتالي لا يعطي هؤلاء أي اعتبار لوضع "إعجاب" أو "تعليق"، والبعض الآخر لجهله، يضع تعليقات مكرّرة أو غريبة أو أدعية وتمنيّات فقط، حتّى أن بعضهم ينشر صوراً إباحية أو يضعها مكان صورته الشخصية دون قصد منه.


هذه أسئلة حداثية في فلسفة العالم الرقمي الحديثة علينا، ولا يمكن الردّ عليها بأجوبة قاطعة، فأي إجابة حاسمة اليوم، ربما ينسفها ابتكار آخر غداً، وهكذا.. دواليك. رغم أن بعض المتفاعلين مع منشور صديقنا قدّم إجابات مثل: "كبير يا صديقي لا تسأل على هكذا أشخاص"، و"هؤلاء أبراج للمراقبة فقط"، إلا أن ردودهم لا تعكس حقيقة غير المتفاعلين بشكل عام على مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة فيسبوك، فلكلّ فيسبوكيّ عالمه الخاص، وزمنه المحدود، وطريقته في التعامل مع العالم الافتراضي، من حيث وضع الإعجابات التي ترمز إلى القلوب أو الضحك أو مشاعر أخرى.


الواقع الافتراضي عالم عبثي. لا يمكن أن نتعامل معه بنفس جدية الحياة وقوانينها، فغبار الثورة الرقمية لم يستقر بعد، ولم يذب ثلجها ليبان مرجها، ومن الخطأ تقييم الناس في الحياة الافتراضية على أساس أخلاقيات الحياة الواقعية.


ربما ابتعادنا عن الحياة الواقعية يضخّم هذه العتابات، ويخلق سلوكيات افتراضيّة جديدة، فنجد أنفسنا في قيد من الأوهام مع عالم الأصدقاء الافتراضيين، بحثاً عما نفتقده من المشاعر الجميلة والطيبة في محيطنا الواقعي.


مواضيع أخرى ربما تعجبكم

0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

الاشتراك في نشرتنا البريدية