من أبرز فناني عفرين و الذي نقل الملاحم والحكايات الشعبية بشكل خاص، يبرز اسم الفنان الكردي جميل هورو ، ولعله أهم فنان ظهر في مدينة عفرين لاسيما وأنه قدم النمط الخاص به في غنائه، صابغا إياه بالفلكلور العفريني ليكون تأشيرة دخول الفن العفريني إلى كافة أنحاء المعمورة عبر أسلوبه الفريد والمختلف، وأعني الاختلاف المُبتكر والخصوصية الفنية، وبالتالي، تستطيع سماع صوته في الصباح الباكر  على الجرّارات المكتظة بالفلاحين وهم يتجهون لجني ثمار الزيتون في قرى عفرين، أو في مدينة ديار بكر أمام الأفران المزدحمة بالناس والمنتظرين خبز الصباح، وبالطبع في أربيل أيضاً يتردد صوته في بهو الحافلات أثناء طرق السفر الطويلة التي تربط مدينة بأخرى. 

صوت جميل هورو المرن مع الموسيقى النابضة بالحياة على مستوى المساحة الصوتية التي يمتاز بها من أدنى القرار إلى أقصى الجواب و سلامة الانتقال والتلوين والتحكم بالطبقات، شكّلت لأهالي مدينة عفرين والمتحدثين بالكردية تعبيرا أصيلا عن مزاجاتهم وحالاتهم الشعورية ندندنها حين نعشق أو ننتصر، ولا غرو إن قلنا في حالات الحزن واليأس أيضاً.

حياته 

ولد  جميل هورو في قرية سعرنجك بالشمال السوري عام 1934،  وتزوج ثلاث مرات وله من الأبناء والبنات تسعة، توفي ابنه بلنك في غارة للطيران الإسرائيلي على لبنان، كما خُطف ثم قُتل ابنه حنّان عام 1973 وعمره ثلاث سنوات في حادث غامض ليتم اكتشاف جثته بعد أيام في نهر عفرين، هذه الحوادث صبغت صوت الفنان جميل هورو بنبرات الحزن الشجي.

بدأت موهبته الصوتية تتجلى باكراً عندما تتلمذ على يد الفقيه عفده عشه على تجويد وتلاوة الآيات القرآنية والتي ستشكل لبنة أساسية لخامته الصوتية وهو يتلو الآيات أو ينشد الأناشيد المدرسية والدينية، إلى جانب ارتياده الحضرات الصوفية، فكان تلميذاً للشيخ محمد شيخ حيدر حيث كان أحد الشيوخ المعروفين في المنطقة آنذاك. 

أما حياته مع الأغنية الكوردية فبدأت بإحيائه لحفلات الأعراس والإحتفالات العفرينية مطلع الستينيات من القرن الماضي.امتهن هورو مهنة النجارة إلى جانب الغناء ليعيل أسرته، وكذلك مارس عدداً من المهن الأخرى، منها إدارته لمقهى بحي الشيخ مقصود في مدينة حلب وكان يعرف باسمه، بالإضافة إلى إنشائه مقصفاً عند قرية تل سلور القريبة من منطقة جنديرس بحلب. كما لم يغب الجانب السياسي عن حياة هورو، حيث كان أحد أعضاء الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا وقد تعرض نتيجة نشاطه السياسي للاعتقال والملاحقة والسجن والتعذيب. 

وكان من أوائل من أوقدا شعلة نوروز  في المنطقة أثناء الاحتفال بعيد نوروز رغم الإجراءات التعسفية بمنع الاحتفالية ونتيجة الملاحقات الأمنية اضطر إلى الهروب بمعية عائلته إلى تركيا، وهناك أمضى ردحا من الزمن، ثم انتقل إقليم كردستان العراق و بقي فيها فترة من الزمن. في تركيا، سجل مع الفنانة الكوردية عيشة شان إسطوانة ذاع صيتها بين الأوساط الكردية في كل مكان، ولاشك أنها تبقى إلى الآن صوت الحنين إلى مرابع الطفولة الأولى وأيام الصبا،  وعزف معهما الموسيقي ذائع الصيت في تركيا الفنان عارف صاغ، كما التقى بعدد من الفنانين هناك منهم نوري سوزكوزل إلى جانب صلته وثيقة بالمطرب الكردي التركي نشات أرتاش، أما في كردستان العراق العراق  وفي مدينة زاخو تحديداً عمل مراقباً لدى البلدية كما تغنّى بالثورة الكردية ورموزها النضالية عبر عدة أغنيات منها " ليلى قاسم " و "بارزاني" و "شيخ سعيد بيران" و "نوزوز " و "أيها القدر". 

ومن أبرز الحفلات التي شارك بها  الراحل جميل هورو ،كانت حفلة سوق الإنتاج في حلب  صيف عام 1972 مع عدد من الفنانين الكرد والعرب، كذلك حفلة سينما ريفولي وحفلة جمعية اليرزة اللبنانية في لبنان مع الفنان الراحل عارف جزراوي، بالإضافة إلى احتفاليات أعياد نوروز في عدد من المدن السورية إلى جانب كل  ثلة من فناني الكرد أمثال صلاح رسول، محمود عزيز و سعيد يوسف.

ومن أشهر الأسماء التي عزفت معه أغانيه من مدينة عفرين، عازف الناي والفنان التشكيلي عبدالرحمن دريعي والفنان سعيد أومري وعازف البزق المشهور آديك والفنان علي تجو. استقر به المقام أخيرا في بلدة جنديرس وعمل في مهنته النجـارة معانيا من شظف العيش وعسر الحال، ورحل إلى مثواه الأخير في العام 1989 مساء يوم الخميس في مشفى ابن رشد بحلب وذلك إثر مرض عضال ألم بكبده، ووارى جثمانه الثرى في مقبرة حنان القريبة من مدينة عفرين.

القصص والملاحم الشعبية في أغاني هورو 

في منتصف الستينيات أطلق ألبومه الأول الذي تضمن عدداً من الأغاني الفلكلورية والمستندة على التراث المحلي للمنطقة بشكل خاص والتراث الكردي بشكل عام،  ويقع التراث الكردي على قصص وحكايات شعبية تجسد أصالة الإنسان الكردي وتعاطيه مع مفهوم الحب بروح شفافة وهوى عفيف والتضحية المقدمة في سبيل الوصل، ولعل من أبرز الأغاني التي قدمها هورو أغنية "Memê Alan"، وهي عبارة عن حوراية غنائية تتجاوز الساعتين غناء، و تستند إلى ملحمة (ممي آلان) واحدة من أهم النصوص الفولكلوريّة التي أنجزها الكرد خلال تاريخهم الطويل، ويتناقلون هذه الملحمة الفولكلوريّة جيلاً عن جيل.

وتعد الركيزة الأساسيّة التي استند إليها الشاعر أحمد خاني في إنجاز ملحمته الشعريّة الشهيرة "مم و زين" والتي عرّبها الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي. وتدور الملحمة حول قصة عشق الملك الكرديّ الشاب مم بالأميرة زين والتي تقطن في جزيرة بوتان، والتي تتمثّل للملك في أحد أحلامه، فما أن يطلع الصباح ويصحو من نومه، حتّى نراه يأمر أتباعه بتجهيز حصانه الأشهب للرحيل من بلاد المغرب والبحث عن زين للزواج منها، متجاهلا نصائح أبيه وأعمامه وخطورة تلك الرحلة الوعرة.

ويضفي الراوي المغني أبعاداً خيالية على الرحلة التي يسلكها مم لوصل زين ناهيك عن وصفه للمدينة التي يقصدها وطرقها وتفرعاتها المختلفة علاوة على أبوابها المتعددة، وعلى الرغم من مقاربة النص في بعض مناحيه إلى الفانتازية إلى أنه كان أقصر الطرق لتشكيل بنية نص ملحمي وإضفاء صفة العظمة والدهشة التي تجذب المتلقي سيّما ما يطلقه المغنّي من صفات جسمانية وسيكولوجية على شخصية البطل والبطلة، وحتى ذلك الحصان الأشهب الذي ينقل البطل لرحلته المنشودة، بالإضافة إلى البناء اللغوي المحكم، وتتردد في الملحمة المغنّاة الكثير من الصفات الشاعرية التي يطلقها المغني على مم كوصفه بالشمس التي تشرق من أعالي الجبال أثناء جلوسه على كرسي العرش ذي القوائم الأربعة.وعلى المنوال نفسه، نجد هورو يسرد الملحمة التراثية الكوردية عبر أغنية "كولكه سليمان" والتي تسرد صراع الكرد في الدفاع عن أرضهم التاريخية أمام غزو العشائر المحيطة بهم  وعمليات السلب والنهب واستيطانهم في منطقة الجزيرة عن طريق الغدر. 

وتبدأ السردية الغنائية بفنجان القهوة الذي لا يتجرأ أحد على احتسائه كونه إيذان للحرب والثأر ويتحتم على من يتجرعه الاستعداد للثأر، ويتهادى إلى مسامع " كولك"  الخبر  من إحدى الحلّابات  و الذي كان بدوره يرعى الأغنام في منطقة بعيدة، فينطلق  ليحتسي من فنجان القهوة ويعلن الحرب وتبدأ رحى المعركة بالدوران وتتداخل الكثير من قصص البطولة والشجاعة مرورا ببعض الخيانات التي تحدث ليعود كولك منتصرا إلى أرض عشيرته ولكن مثخنا بالجراح، ليموت بعدها متأثرا بجراحه. 

وبالطبع أصبح فنجان قهوة كولكه سليمان مضرباً شعبيا يستخدمه الناس في مدينة عفرين حين يستحضرون قصص البطولة والشجاعة لدى أحدهم أو حين تستحوذ النخوة على أحدهم للدفاع عن أرضه. ومن الملاحم الكردية التي تغنّى بها هورو أيضا ملحمة "فتاح بك"  وهي سردية غنائية من الملاحم الكردية والتي تتحدث عن وقائع واحداث الصراع الكردي مع العثمانيين ضد الروس في منتصف القرن الثامن عشر على ضفاف نهر الدانوب والتي عرفت بالحروب العثمانية الهابسبورغية.

ولم تخلُ القصص الواقعية التي حدثت في حقبة تاريخية ما في مدينة عفرين عن سرديات وغنائيات هورر وبشكل خاص تلك أضحت جزءا من مخزونها الثقافي وذاكرتها التراثية، فنقل هورو عددا من قصص الحب التي احترقت من وراءها القلوب في ليل القرى المعتمة، ومن تلك الأغاني أغنية "مريم محو"  والتي تشبه إلى حد ما قصة مجنون ليلى،  وتروي القصة التي حدثت في مطلع القرن العشرين عن فتاة تنحدر من أسرة ثرية يعشقها الشاب الفقير شيخو ، ولكن يتعرقل زواجهما نتيجة الفوارق الاجتماعية والطبقية والتي تشكل حائلا عصيا عن الوصل، فيهيم شيخو في الطرقات فاقداً رشده، مجنونا يتغنى باسم مريم وحسنها.  و من الأغاني التراثية الخاصة بمنطقة عفرين أيضا نقل جميل أغنية "فيرو " والتي جرت في أربعينات القرن الماضي، وتروي قصة فيرو  وهي فتاة نزح والدها من تركيا ليستقر به المطاف في إحدى قرى مدينة عفرين، وهناك يقع شاب من القرية في حبها ولكن تشاء الأقدار أن يلتحق الشاب بالخدمة العسكرية على الجبهة الفلسطينية وتتزوج الفتاة بآخر.

وبعد عقود من الزمن يلتقي الشاب بالمغنّي جميل هورو ويلتمس منه لتحويل قصته إلى أغنية وهذا ما حدث لاحقاً.ومن القصص الواقعية التي تشكل ذاكرة خصبة في ذاكرة أهالي منطقة الجزيرة، تبرز أغنية "يا ابن عمي حسن" و يسرد هورو فيها قصة حدثت في عشرينات القرن الماضي، وتدور حول قصة حب بين حسن وابنة عمه وخطيبته فيدان من عشيرة شكاكا في محافظة الحسكة إلا أنه وبعد سبع سنوات من الخطوبة يُصاب حسن بداء عضال يفتك به حتى يقتله، وهو في أوج شبابه لتنتهي قصة الحب وتبقى فيدان عزباء طوال حياتها رافضة أي شاب آخر.  وبالطبع، لم تغب الرواية التاريخية الأشهر "درويش عفده" في الذاكرة والوجدان الكردي عن غنائيات جميل هورو، والتي تتحدث عن درويش الشاب الشجاع الذي تربّى على خصال الإقدام ودفع الظلم ورفع الحيف لا يعرف للموت معنى ولا للخوف رهبة وشبّ على العرف القبلي منذ نعومة أظفاره حتى ارتوى من تلك الخصال في مضافة أبيه.

ولكن مع مرور الوقت تتحد القبائل المحيطة بقبيلة درويش لطرد القبيلة من ديارهم لاسيما أنها أرض خصبة فيها المياه الوفيرة والمراعي الخصبة، فستشيط الحمية بدرويش ليدافع عن أرضه وخاصة بعد أن تعرض جدائل عدول المقصوصة والحمراء من أثر الحنّاء على طبق، وتكون هبة من يحمي القبيلة، فتدار بين الرجال الشباب فيطأطئ رجال العشيرة رؤوسهم حذراً من الإقدام المرعب حتى يأتي دور درويش، أن لا أحد يتقدّم عليه في البطولة والفداء، فيقوم بخطف الجدائل الحمراء.ويقوم أهل المشورة بتوجيه النصيحة إليه، ولكن شجاعة وتهور درويش تغلّب العاطفة على العقل وخاصة أن جدائل حبيبته عدول ستكون هبة من يذود عن الديار، فينطلق درويش وهو يتغنى بأن لا شيء سيفصله عن جدائل عدول المخضبة بالحناء سوى المنية المخضبة بالدماء.

وتنتهي مشاهد الملحمة في صور مفعمة بالمآسي والغدر والدماء ولكن انتصاراً للشجاعة والشهامة، ويسقط البطل في النهاية مكلوماً في جراحات تنزف و(عدول) عند رأسه تهدهد له في لحظات الموت الأخيرة.ومن المرويات التاريخية التي يسردها هورو في أغانيه، أغنية "عيشة ايبة" وهي ملحمة غنائية كوردية تمتزج بين الحب والمأساة، عروس تموت يوم زفافها بعد قصة حب طويلة ورحلة كفاح، كذلك القصة الشعبية الأشهر إلى حد ما بين كبار السن "أوسبي شار" وتتحدث عن أوسب "يوسف باللغة الكردية" الشاب الذي يتحلى بهيئة وهالة أسطورية من الصفات الجسمانية والأخلاقية، والغدر الذي يتعرض له من ابن عمه بكر الذي يغار من مكانته العالية في المجتمع المحيط به. 

بالإضافة إلى ملمحة "مم عوان" . ونجد هورو يتغنى أيضاً بملحمة "طيار آغا" والتي تجسد فصلا هاما من ملحمة درويش عبدي، وتبدأ أحداثها بالمواجهة المرتقبة بين درويش وخاله طيار على سيادة المنطقة وما تشوبه من أحداث ومواقف عاطفية لتنتهي بالصلح بينهما.

وإلى جانب الملاحم الشعبية غنّى هورو الكثير من الحكايات الشعبية ليغني بها المكتبة الصوتية الكردية منها "اللص" و "يا أبي" و "جبلي" و "توسنو" و "بدو جان" و "الفتاة الأرمنية"، " كنج عثمان"  و " Kela Beyazîdê قلعة بيازيد" مع الفنانة عيشة شان، وغيرها الكثير. ومن الأغاني العاطفية والاجتماعية التي رافقت مسيرة هورو الفنية منها ما كان تأليفه كتابة وتلحينا منها: " نايله جان Naylecanê"  و "الطبّال Devecî" و"Edlê عدلة"  و " Wa çavê te عيناكِ" و "حليمة" و "لن أفعل يا أمي Anê Wele Nakim" و "keçe zer" و "Menal لا تتأوه"،  حسرة قلبي Hesreta Dilê Min، و "ETARÎ AṢIQ البائع المتجول العاشق"، و Aman amn Oy Amina " أمان أمان يا أمينة" و Min slavegera"  الوداع" و  "أمينة راقدة في نوم لذيذ Êmo Xew Şêrînê"  و "هزّي منديلك وتمايلي بجسدك الجميل  Li Bake Wa Bejinê Li,Bake wa Desmalê "  و "سينو في السينما  Lê Sîno Lê Sînemê" و Min Tu Dibû Li Banîka"  ورأيتك في الوديان"  و"يا مريم  Lê Meyroo " و Anê Ez Zanim Şivane"   وأعلم جيداً يا أمّي إنه راعٍ للأغنام" و Bejina te"   وقدّك كشجرة توت" و Mêmo Mêmoşê "  ميمو ميموشي"  و DURÊ ÇAYÊKURMÊNC "وحول جبال الكرد" و Rêka Serê"   طريق السرايا" زمن فيرو Deme Fêro" و Wey Lawo"   أيها الشاب" و Lê Orfê"  يا أورفا "  و " Zêno zênebê زينو زينبه " و Qumrîya Zinêr"  قِبرة الصخر " و Easmerê"  أيتها السمراء " وغيرها، كما أنشد بعض الأناشيد الدينية منها نشيد "محمد حنفي ".ولم يخف الجانب الشاعري عن حياة هورو حيث كان شاعرا بارعا يدوزن القصيدة الكردية بسليقة شاعر مغوار كما نجد في الأبيات القومية التالية و التي نظمها  "وتنادى إلى سمعي صوت البلابل / رويداً رويداً نزلوا إلى حديقة الورد وجالوا / صرخات واستغاثات، ناراً  في الأفئدة أشعلوا / تطايرت الأرواحُ، كانت جنائن الزهر فصاروا / لم يبق منها سوى ثلاث وردات / مصفوفة في صف واحد / حمراء وبيضاء وصفراء بهذا الشكل تراصوا .

مواضيع أخرى ربما تعجبكم

0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

الاشتراك في نشرتنا البريدية