يبدأ جرامشي، أفكاره ببحث التغيرات في وضعية المثقفين، نتيجة تطور المجتمع الصناعي، ويتتبع أزمة المثقفين المتعلقة بالحرب العالمية الأولى، فهل هناك نظرية خاصة؟ نعم إنها نظرية «المثقف العضوي» والمهمة الأولى التي يشير إليها مهمة نقدية في الأساس: كشف السلوك التقليدي للمثقفين، وتغييره، لقد انفتح العصر الجديد بأزمة ما بعد الحرب، التي تتحدى نظرتهم التقليدية لتاريخهم.

ولد أنطونيو جرامشي في 22 يناير عام 1891 في سردينيا، وهي جزيرة فقيرة، تعرضت للاضطهاد على مدى قرون من قبل الغزاة الأجانب، وكان والده من أصل يوناني ألباني، يعمل كاتباً حكومياً، وسجن لاحقاً بسبب مخالفات إدارية، وعاشت العائلة معاناة شديدة، وكانت الأم تعمل «خياطة» لتعول سبعة أطفال.

الأحدب

عانى جرامشي، إصابات في الحبل الشوكي، إثر سقوطه على الأرض في سن الرابعة، وأصبح «أحدب» صحته سيئة باستمرار، وفي مجتمع قاس يؤمن بالخرافات جعلته هذه الإعاقة موضع خوف واضطهاد، وأدى تصميمه على الدراسة إلى حصوله على منحة تعليمية من جامعة تورينو، وكان أول إدراكه السياسي في سردينيا، وعن طريق أخيه تعرف إلى الحركة الاشتراكية، وظل على قناعة راسخة بمركزية «قضية الجنوب» في السياسات الإيطالية

بدأ جرامشي، يدرس في جامعة تورينو عام 1911 وكان يعاني أوضاعاً اجتماعية مثيرة للشفقة، فقد لازمه اعتلال في صحته، وقدر له ألاّ يكمل درجته في علم اللغة، وخلال طفولته كان وحده دائماً، حتى بلغ الثالثة والعشرين، كان هناك تابوت وكفن صغيران في المنزل في سردينيا، وكانت ذكريات صامتة ومرعبة عن الوقت الذي نزف فيه تقريباً حتى الموت، وهو في الرابعة من عمره، ومع ذلك فإن الإصابات التي تسببت بالنزيف، جعلته قزماً أحدب.

عندما سجن الأب، بسبب اختلاس صغير، انزلقت العائلة إلى حالة من الفقر المدقع، وذهب جرامشي إلى مدرسة في منطقة ريفية نائية، إلى جانب أطفال الفلاحين الأكثر بؤساً، وحرص الأطفال على إبعاد (الأحدب) عن ألعابهم، وكانوا يرمونه بالحجارة «بكل الشر الذي نجده لدى الأطفال والضعفاء» كما كان يتذكر فيما بعد، واستمرت هذه الحال، حتى تجمع بداخله من الغضب ما يكفي، لأن يتحول، ويرد عليهم برشق الحجارة.

طبيعة أهل جزيرة سردينيا دفعت جرامشي للخروج من «بالوعة الماضي»، فقد تربى طفلاً على القصص الخرافية عن الغيلان ومصاصي الدماء، وقبل أن يصبح ذلك الثوري الإيطالي، كان طموحه في شبابه أن يعيد اكتشاف أصول هذا العالم الخرافي، وتطور لديه الأمر إلى شغف بالقراءة، نتيجة عزلته وعاهته الجسدية.

وفي مقال كتبه في سن العشرين بدت نظرته إلى تاريخ العالم أشبه إلى حد كبير بمأساة سردينية، كان التغيير بطيئاً، فبعد خمس سنوات من كتابة هذا المقال، كتب أنه «لا يزال يشعر ويعيش مثل دب سريع الانفعال محبوس في كهف».

في مايو 1922 ذهب جرامشي إلى موسكو، كان هناك عندما استولى موسوليني على السلطة، وفي أعقاب وصوله إلى موسكو تسببت الحالة الصحية السيئة له بدخول إحدى المصحات للعلاج، وهناك التقى زوجة المستقبل «جوليا شاخت» ليصبح لديه منها ولدين، لم ير أحدهما لأنه ولد في موسكو، حين اعتقل عام 1926 وكان يٌنقل من سجن إلى آخر، وبعد عامين منح إذن بالكتابة، وفي مارس 1927 وضع خطة بحث كانت القضية المركزية فيها دور المثقفين.

المحاكمة الكبرى

في نهاية مايو عام 1928 بدأت «المحاكمة الكبرى» ضد جرامشي وحكم عليه بالسجن عشرين عاماً، وأعلن أحد ممثلي الادعاء: «لابد أن نمنع هذا العقل من العمل عشرين عاماً» وتفاقمت حالته الصحية بسبب ظروف سجنه، وتركز نضاله في البقاء جسدياً ومعنوياً، واستطاع إبداع ما سيصبح فيما بعد «مرجعية كلاسيكية للفكر السياسي» وفي نهاية عام 1933 نقل إلى أول المراكز الصحية، رهن الاحتجاز.

كانت هناك حملات واسعة بالخارج من أجل إطلاق سراحه، وفي أكتوبر 1934 حصل على إفراج مشروط، وقدر له ألاّ يغادر المستشفى، وانطفأت حياته في 27 إبريل عام 1937 متأثراً بنزيف في المخ، أصابه بعد أيام من حصوله على حريته، وأعلنت وفاته في خبر صغير في الصحافة الإيطالية، ودفن في صمت بمقبرة البروتستانت بروما.

المصدر: الخليج

مواضيع أخرى ربما تعجبكم

0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

الاشتراك في نشرتنا البريدية