شهد قطاع الأعمال عبر التاريخ أسماء لشركات كبرى نجحت في الهيمنة على قطاعاتها، لتتراجع وتتخفى خلف إنجازاتها السابقة، أو حتى تختفي تماماً. لذا فإن فهم أسباب فشل الشركات الكبرى وكيفية تفادي هذا المصير، موضوع يشغل الباحثين، ناهيك عن النمو الذي يشهده قطاع الاستشارات.

إن استمرار تعرض الشركات الناجحة للفشل، يعد دليلاً على الفهم غير الكافي لأسباب زوال الشركات. حيث يرى البعض أن الخيارات والالتزامات غير المسؤولة والإجراءات التي تتخذها الإدارة العليا هي المسؤولة عن النتائج الاستراتيجية وتحديد مصير الشركة. من هذا المنطلق، فإن الأداء المتميز مرتبط بالرؤساء التنفيذيين الحاليين، وكذلك الأداء الضعيف رغم وجود الرئيس التنفيذي في منصبه لفترة قصيرة.

ويرى طرف آخر أن اندحار الشركات تتسبب به الهياكل والإجراءات ونماذج العمل التي تعزز من الفكر المتحجر في الشركة مما يجعل التكيف والتغيير أمرين في غاية الصعوبة.

وأخيراً يرى أنصار نظرية النمو الاقتصادي «شومبيتر»، أن أسباب فشل الشركات تكمن في عدم قدرتها على التكيف مع البيئة الخارجية المختلفة بشكل جذري، والذي أصبح واضحاً في العديد من القطاعات بدءاً بقطاع التجزئة وصولاً إلى قطاع النشر والاتصالات وعدم قدرتهم على مواجهة التغيرات التكنولوجية السريعة.

وفي حين تبدو الحجج الثلاث مقنعة تماماً، فإن أياً منها لم ينجح في إعطاء تفسير كاف لأسباب وكيفية فشل الشركات، مما يستدعي وجود رؤية أكثر شمولية لمسيرة الشركة. وكنا محظوظين لوجود آراء مدعومة بأبحاث على مدار 20 عاماً حول تجربة نوكيا، الشركة التي شكلت وجه القطاع لتهيمن عليه كإحدى أقوى العلامات التجارية في العالم، لتختفي بعدها عقب بيعها لشركة مايكروسوفت.

إدارة الخيارات

تساهم خيارات الإدارة بشكل واضح في تراجع الشركة، ولكن لا يقتصر الأمر فقط على القرارات التي يتخذها الفريق الإداري. فبذور الركود الاستراتيجي تكون نتاج خيارات اتخذتها الإدارة قبل عقد من الزمن أو أكثر. تؤدي تلك القرارات إلى انتهاج أسلوب استدلالي والغطرسة والتزامات غير مدروسة، تخلق بدورها سياقاً يتم من خلاله اتخاذ إجراءات مستقبلية.

إن الاعتماد بشكل كبير على أسلوب استدلالي، لا سيما من خلال التعلم غير الواعي أو غير المقصود الذي تختبره الشركة أثناء نموها وتجاوزها لحالات الأزمات، يصبح من المبادئ الأساسية خلال عملية صنع القرار. فعلى سبيل المثال، وجدت شركة «بولارويد» في مرحلة مبكرة عقب استثمارها بشكل كبير في تطوير التكنولوجيا، أن سوق الكاميرا الباهظة الثمن محدود وغير كاف لاستمرارية الشركة.

وفي ظل تلك الأزمات، تبنت «بولارويد» نموذج «ريزر بليد» والذي بموجبه تبيع الكاميرا بسعر الكلفة، على أن تحقق هامش ربح كبير من بيع الأفلام المخصصة للكاميرا (بنسبة تقارب 70%).

ورغم إدراك «بولارويد» للحاجة للاستثمار في التكنولوجيا الرقمية في فترة مبكرة من عام 1985، لم تواكب الشركة التطورات كما فعلت منافساتها مثل «سوني».

القدرة على التكيف

تقود الخيارات التي تتخذها الإدارة إلى تطبيق هياكل وإجراءات ونماذج عمل تؤدي في حال بقيت على حالها إلى عدم الكفاءة، وقد تصبح عائقاً كبيراً أمام الحاجة الملحة للتكيف.

ولم يمضِ وقت طويل في «آي بي إم» عقب تولي جيني رومتي لمنصب الرئيس التنفيذي خلفاً ل بالميسانو لتبدأ المشاكل بالظهور. حيث قل عملاء الأجهزة لصالح الحلول السحابية وبرمجيات ساس (SaaS) مما كان له تأثير كبير في أداء الشركة.

وكانت شركة «آي بي إم» عالقة في نموذج عمل تكاملي، بحيث كانت مبيعات الأجهزة مرتبطة بهامش عال لمبيعات البرمجيات، وطفرة بخدمات الاستشارات في «آي بي إم» التي تتولى أمور تحميل البرمجيات ومتابعتها. وفرض نموذج العمل هذا على مدار سنوات تحديات على مبادرات النمو وجعل التغيير أمراً في غاية الصعوبة.

وبعد اتخاذ خيارات جريئة وعملية إعادة هيكلة صعبة وشاقة، بدت «آي بي إم» أخيراً قادرة على المواجهة في بيئة تنافسية جديدة.

البيئة المتغيرة

عندما تتغير طبيعة القطاع لا بد أن تترتب عن ذلك خسارة، وربما تكون الشركات الناجحة أكثر عرضة للخطر كونها غارقة في علاقات مع شركاء وموردين وعملاء رئيسيين، عندما يتعلق الأمر برؤية مستقبلية. وبالإضافة لذلك، فإن خيارات الإدارة ومدى تكيفها مع التغيير سيحدد صعوبة أو سهولة الأمر أمام الشركة، لتتراجع عن نموذج عملها الحالي، وتدرك أن البيئة المحيطة بها تتغير بشكل جذري.

ولم يدرك أعضاء مجلس الإدارة في شركة «كوداك» السرعة التي تتغير فيها البيئة المحيطة (من الأفلام إلى التصوير الرقمي)، وبالتالي فإن خيارات مجلس الإدارة عززت من أهمية الأفلام. وبدعم من مجلس الإدارة في «آي بي إم»، صب بالميسيانو تركيزه على رفع عوائد المساهمين، مما أدى لفشله برؤية تحول المنافسة إلى الخدمات السحابية والخدمات حسب الطلب. كما كانت نوكيا غارقة في التركيز على المنتجات، ولم تستطيع إدارتها تصور مستقبل يعتمد على منصات ابتكرتها «آبل» و«جوجل».

وفي حين أن التحولات الخارجية في طبيعة القطاع تلعب دوراً كبيراً في فشل الشركات بمرحلة متأخرة، إلا أن الترابط بين تلك التغيرات، والخيارات السابقة والحالية للإدارة والهياكل ونماذج الأعمال التي تبنتها الشركة هي المسؤولة في النهاية عن قدرة الشركة على التغيير.

المصدر: الخليج 

مواضيع أخرى ربما تعجبكم

0 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).