هذه كانت من اللحظات المضحكة والغريبة مع السائق والمرافق برويز في رحلتي إلى دوشنبه، عاصمة طاجيكستان.

كان اسم هذه الدولة لدي مقترناً بالاتحاد السوفيتي وآسيا الوسطى التي لم أكن أميّز بين دولها لتشابه الأسماء والأشكال. عندما جئت إلى الإمارات في 2010، تعرّفت على تاجرة طاجيكية أثناء رحلة لي إلى جزيرة كيش الإيرانية التي بقيت فيها ليومين لأجل تغيير تأشيرة الدخول إلى الإمارات من السياحية إلى العمل. هذه التاجرة لم تخبرني الكثير عن بلادها، خاصة أن الرحلة من دبي إلى جزيرة كيش استغرقت أقل من ساعة، وافترق كل منا في اتجاه، ولو طالت أكثر من ساعة لكنت وقعت أسير جمالها!

بقيت طاجيكستان اسماً يتردّد على مسامعي بين الفينة والأخرى، إلى أن صادفت كتاباً يتناول منطقة كانت قلب الزراعة في الدولة السوفيتية وهي وادي فرغانة الذي يقع في آسيا الوسطى تتقاسمه كل من أوزبكستان وقيرغيزستان وطاجيكستان، وتحيط بهذه المنطقة جبال من كافة الجهات. معلوماتي عن طاجيكستان بقيت محدودة، لكنني كنت مدركاً أنّهم يشبهون الكرد في عاداتهم وأسلوب حياتهم، كما أنني عرفت أنهم يتحدثون اللغة الفارسية، لكنهم بلهجة مختلفة عن المستخدمة في إيران.

التوجّه إلى دوشنبه

خلال الانتظار في مطار دبي، كانت وجوه النساء الطاجيكيات الجميلات وأجسادهن المكتنزات وثيابهن المزركشة تبعث على البهجة، إلى درجة أحسست أنني في بلدي أو في احتفال كردي مثل عيد النيروز الذي يحتفل الطاجيك به أيضاً.

في دوشنبه.. هذه المدينة التي كان الروس يطلقون عليها اسم استالین‌ آباد بين 1922 و1961، لم أشعر أنني في عاصمة، بل قرية كبيرة. بعد اتصال مع شركة لسيارات الأجرة، أرسلوا لي "برويز".. وما أدراك من برويز! يحمل برويز إجازة في كلية الاقتصاد، يتحدث الإنجليزية إلى حد معقول. كان شاباً مفعماً بالنشاط والحيوية، وعاشقاً للنساء والحياة والغناء، لكن "روح السائق" كانت مسيطرة عليه من خلال صوته وحديثه مع الشرطة والناس والأصدقاء من نافذة التاكسي، كما أن قصّة شعره لفتت نظري، ثم عرفت أن هذه القصّة منتشرة في أوساط الشباب الطاجيك، لدرجة أنني كنت على وشك أن أصدق أن حلاقاً واحداً يحلق لهم نفس القصّة.

في رحلة التعرّف على طاجيكستان، برويز قال لي أن أكثر الكلمات استخداماً في طاجيكستان هي "سوموني"، فهي اسم عملتهم المنسوبة إلى الأب الروحي للقومية الطاجيكية اسماعيل الساماني أو الساموني (مايو 849 - نوفمبر 907) الذي يقع نصبه التذكاري في قلب دوشنبه، وهو أبزر معلم لهذه الشخصية المهمة في التاريخ الطاجيكي. تمثاله الشاهق محاط بقوس مذهّب، وكأنه يمارس دوراً رمزياً يذكّر الشعب الطاجيكي بالالتفات إلى ما حققه أجدادهم أو أشبه ما يكون بدعوة إلى النهوض مجدداً، علماً أن ضريحه يقع في مدينة بخارى في أوزبكستان التي يشكل الطاجيك ما يقارب ثلث سكانها، أي 9 ملايين من أصل 33 مليون.

لم يخبرني برويز - سامحه الله – عن سوموني كثيراً من الناحية التاريخية، أو ربما لم يكن يعرف عنه سوى ما قاله لي، لكنني قرأت عن هذه الشخصية، واستعنت بهذه المعلومات لإغناء المقال. باختصار كان سوموني أمير السامانيين لبلاد ما وراء النهر (892–907) وخراسان (900–907). كان عهده بداية ارتقاء السامانيين للسلطة، وهو حفيد سامان خدا، مؤسس الأسرة السامانية الذي ترك الزرداشتية واعتنق الإسلام. يحتفي به الطاجيك كثيراً، ويشكل مصدر فخرهم أثناء حديثهم عن أمجاد التاريخ. تظهر صورته على العملة الطاجيكية من فئة 100 سوموني، وأيضاً سمي أعلى جبل في طاجيكستان باسم اسماعيل ساماني الواقعة بين جبال بامير ضمن مقاطعة بدخشان الجبلية، وكان أعلى جبل في الاتحاد السوفيتي أيضاً.

أثناء الوقوف بجانب تمثال سوموني، تشعر أنك في إقليم كردستان العراق بسبب العلم المرفوع على السارية الذي يشبه العلم القومي الكردي المعتمد في الإقليم. هذه السارية واحدة من أهم معالم المدينة، ويبلغ طولها 165 متراً، وهي ثاني أطول سارية في العالم بعد سارية العلم في مدينة جدة بالمملكة العربية السعودية التي تبلغ 171 متراً في وسط ساحة الملك عبدالله.

تاريخ وهدوء وجمال

خلال رحلتي التي دامت ما يقارب أسبوعاً، وأثناء تحرري من برويز، كنت ألجأ في فترة المغرب مثل الكثير من سكان دوشنبه والسياح إلى حديقة روداكي الواقعة في قلب دوشنبه. هذه الحديقة تتسم بنكهة مختلفة، تحيط بها المعالم والمباني المهمة في العاصمة، وهي تجمع بين المناظر الطبيعية الخلابة والزخارف والنوافير والتماثيل والأشجار والنباتات والأعشاب المشذبة بعناية فائقة، فضلاً عن آلاف الزهور النابضة بالحياة معظم أيام العام.. سميت هذه الحديقة مع الشارع المجاور لها على اسم الشاعر الطاجيكي الكبير الرُّودكي (858 - 940 م) الذي يلقب بـ"آدم الشعراء" باعتباره مؤسس الأدب الفارسي الكلاسيكي، وهو من مواليد رودك، إحدى قرى سمرقند. من أشهر أعماله ترجمته الشعرية لكتاب "كليلة ودمنة" نقلاً عن الترجمة العربية التي وضعها عبدالله بن المقفع. يقع تمثاله وسط الحديقة تحت قوس فسيفساء مزخرف وأمامه نافورة في محيط دائري يقف فيه الزوّار لالتقاط الصور.

تمثال سوموني في وسط دوشنبه


أخبرني برويز في اليوم المقرر لزيارة المتحف أنه جائع، ويود أن يتناول كأساً من الشاي مع خبز وكعك طاجيكي في كوخ نوروز. الزيارة إلى الكوخ كانت ممتعة، ولكن الجولة التي تبعتها إلى المتحف كانت أكثر إمتاعاً، فقد كانت غنية وشيقة، ومجهدة أيضاً.. بدءاً من الساحة التي تعرض تماثيل لشخصيات قدمت تضحيات لأجل الشعب الطاجيكي، إلى ساحة المدخل.. والسقف المزين بزخارف وفسفيساء في غاية الجمال. هذا المتحف بني في عام 1934، ويتميز بحجمه الكبير، وهندسته المدهشة، ويضم الكثير من المعلومات القيمة عن أسلوب الحياة الطاجيكية، وأشكال السجاد اليدوي، والحيوانات البرية، وشخصيات أدبية من الحقبة السوفيتية وغير ذلك الكثير.


"فوسي" البطل القومي الطاجيكي الذي أعدمه السوفييت في 1954

خلال زيارة المتحف، رغم ما تخللها من وقفات طريفة لبرويز مع بعض الموظفات الجميلات، حصلت على فكرة شاملة عن كيفية تشكل طاجيكستان والشخصيات التي وقفت وراء ذلك. لفتت نظري شخصية "فوسي" البطل القومي الطاجيكي الذي أعدمه السوفييت في 1954، شبهته بشخصية رستمي زال عندما رأيت تمثاله، وأيضاً قسم النبي زرادشت الذي يستعرض صوراً له، وكتاب أفستا القديم ومعلومات تاريخية عن هذه الديانة التي كانت منتشرة بين الشعوب الآرية، ولا يزال هناك عدد يؤمن بها في شعوب وسط آسيا. كما يحتوي هذا المتحف على قسم يحتوي على الإهداءات التي تلقاها الرئيس الطاجيكي إمام علي رحمون.

توجهت أيضاً مع برويز إلى حديقة النصر، فهي من بين الحدائق والأماكن الجميلة في دوشنبه، لكنها تقع في الجزء الجبلي من المدينة. هذه الحديقة افتتحت في 1985 تكريماً للذكرى الأربعين للنصر في الحرب الوطنية العظمى.. تضم في قلبها شعلة ترمز إلى النصر، مع وجود أسماء الأبطال الطاجيك خلال الاتحاد السوفيتي، منحوتة على بلاطة من الغرانيت. وفيها أيضاً شلال بالقرب من النصب التذكاري، بالإضافة إلى مقهى ومطعم جبلي يطل على مدينة دوشنبه، يقضي فيه الكثير من السكان أوقاتهم خلال الإجازات الأسبوعية. كما تقام في الحديقة مسيرات للاحتفال بيوم النصر.

رقص وموسيقى وطعام

في فترة المساء كنت أمضي وقتي أحياناً مع برويز في مطعم بجانب وزارة الثقافة الطاجيكية في الشارع المجاور للفندق الذي أقمت فيه. كان المطعم يقدّم عروض الرقص الطاجيكي بكافة أنواعه، من الانفرادي إلى الجماعي إلى الرقص الشرقي الذي يسمى في طاجيسكتان بالرقص العربي.. أما "رقصة بامير" التي يؤديها سكان منطقة بامير - التي تضم أعلى طريق في العالم  - أدخلتني في عوالم روحية يؤديها رجل وامرأة بالزي التراثي الطاجيكي في طقس صوفي وموسيقى هادئة تداعب الخيال. لكن برويز في إحدى السهرات جنّ جنونه بعد أن رأى حبيبته، بدأ يشرب البيرة بشراهة! وقال: اليوم لن أفعل شيئاً لأجلك! ولا أدري ماذا فعل لاحقاً!

يعد الرقص عند الطاجيك في صميم حياتهم اليومية، ومعظمهم يؤديه ببراعة وانسجام وروحانية كبيرة، وتسنى لي التعرف على الرقص عندهم خلال ذهابي مع برويز وأصدقاء له إلى حفلة عامة أسبوعية يشارك فيها فنانون للترفيه عن الناس خلال يوم الأحد. هناك الجميع كان يصفق ويرقص بطريقة متناسقة. التقيت مع مجموعة علمتني بعض تفاصيل الرقص الطاجيكي، وأيضاً خلال سهرة ليلة العيد في مطعم يقع في قمة أعلى مبنى يدعى "24" في وسط دوشنبه. كان برويز يشعر بأنه ملك زمانه، ويقدمني إلى أصدقائه وصديقاته، ومنهم كاميران، وشهناز، وبهزاد.. ليلتها برويز شرب كثيراً، وكان يستعيد ذكرياته مع نسائه الجميلات.

كان برويز يرقص ويغني دوماً مع الأغاني الحديثة! وكنا نغني أيضاً معاً أغنية العملاق الأفغاني أحمد ظاهر "ليلي ليلي جان" أثناء جولاتنا. الموسيقى الطاجيكية تتداخل مع الأفغانية والإيرانية، بسبب عامل اللغة، إلا أن لطاجيكستان فنانوها البارزون. أكثر أغنية طاجيكية بقيت معي حتى الآن هي أغنية "مادرم" (الأم) للفنان الراحل جامشيد اسماعيلوف الذي يشبه والدته بالوطن العزيز. كذلك تعرفت على أغانٍ لفنانات جديدات، سمعتُ أغنياتهن في المحلات والديسكوهات وسيارات الأجرة مثل شابنام سورايو وأختها فرزوني خورشيد ومهيرة طاهري.

أخذني برويز إلى مناطق قريبة من دوشنبه، ومنها قلعة حصار التاريخة التي تقع إلى الغرب من دوشنبه بنحو 15 كيو متراً، إلا أن الحضور التاريخي فيها طاغٍ، ولها مكانة بارزة لدى الطاجيك. كانت هذه القلعة محل إقامة ملك ملوك الإمبراطورية الفارسية الأخمينية كورش الكبير. خلال حكمه الذي دام 29 سنة (530-559) ق.م، حارب بعضاً من أعظم الدول في العصر السابق، ومنهم الميدية، الليدية، والبابلية الحديثة. الرحلة إليها أيضاً تعرفك على عادات أهل القرى، كما تستمتع بمناظر الجبال على الطريق، وزيارة عدد من الأكواخ التي تشبه المطاعم التقليدية، خاصة المطلة على الأنهار. تناولنا في عدد منها وجبات لذيذة، خاصة وجبة "قُرطب" الشهيرة. عند العودة إلى مدينة دوشنبه تفاجأت بعدد من النساء على مدخل المدينة، سألت برويز: ماذا يفعلن هنا؟ وقال ضاحكاً: يبعن اللحم! كيف ولمن؟ قال هؤلاء متخصصات في القرويين. معظم زبائنهن من أهل القرى، عندما يدخلون دوشنبه يعتقدون أنهن أجمل نساء الأرض..!

في ختام هذه المقالة، أذكر مثلا طاجيكياً سمعته من برويز أكثر من مرة وهو: "الأغنياء يأكلون الكباب، والفقراء يستنشقون دخانها". خلال رحلتي، وجدت أن الكثيرين في طاجيكستان يستنشقون الدخان أكثر مما يجب، فالإنسان الطاجيكي يعاني من الفقر والبطالة. ويبدو التفاوت واضحاً في مدينة دوشنبه الفتية. التقيت وسهرت مع شباب دوشنبه. طموحاتهم كبيرة في تحقيق حياة أفضل، لكنهم يعانون من قلة الفرص في بلادهم، رغم أنها تملك قدرات وطاقات لم يتم استثمارها بعد، خاصة في قطاع الزراعة والسياحة والصناعات اليدوية وغيرها.

طاجيكستان كسبتني عاشقاً لجبالها الشاهقة ولشعبها الودود، الذي تجلى كرمه معي في العديد من المناسبات؛ فلا يمكنني أن أنسى الراعي الصغير الذي توقفنا عنده قليلاً؛ بمجرد أن عرف أنني ضيف على بلاده، عرض علي أن نتوجه إلى منزلهم لتناول الغداء، وكذلك بائع البطيخ، وبائعي الخضار والفواكه على الطرق. كما لا يمكن نسيان دعوة آخرين إلى حضور أعراس أفراد من عائلتهم، لكن لم يسعفني الوقت لتلبية هذه الدعوات الجميلة.




مواضيع أخرى ربما تعجبكم

1 تعليقات

اترك تعليقاً

الحقول المطلوبة محددة (*).

الاشتراك في نشرتنا البريدية